ماذا بعد مقتل «الملا راديو» .. قاتل الأطفال

|

وفرت واشنطن لخزانتها مبلغ الخمسة ملايين دولار، التي خصصتها لمن يدلي بمعلومات عن الإرهابي المتطرف "الملا فضل الله" قائد حركة طالبان باكستان. ففي منتصف حزيران (يونيو) الجاري، شن الأمريكيون بالتنسيق مع حلفائهم الأفغان غارة جوية على معقل الحركة في ولاية "كونار" شرقي أفغانستان على الحدود مع باكستان، وكان من نتائجها مقتل الملا فضل الله، الشهير باسم "الملا راديو"، بسبب كثرة تصريحاته من إذاعة "صوت الوادي" في باكستان، وهيامه بالمذياع بوصفه وسيلة لبث سمومه ولغوه وعنترياته. ومن صور تشدده وعنترياته، تهديده بقطع رؤوس كل من يخالف تعاليم الشريعة الإسلامية، وفقا لمفهومه الضيق، وتهديده باغتيال مسؤولي الدولة والجيش الباكستانيين، وكل امرأة باكستانية تشارك في الانتخابات أو تقوم بتطعيم أطفالها.
وبموت هذا المجرم، انطوت صفحة من صفحات الغدر والخسة وسفك الدماء البريئة، التي كانت تحركها وتغذيها هواجس جنونية، وأفكار طوباوية، ونزعات تدميرية، وفتاوى مثيرة للشفقة لدى هذا الأحمق وأتباعه. لكن من غير المتوقع أن يؤدي مقتله إلى جنوح أتباعه إلى السلام، فتاريخ هذه المنطقة البائسة جنوبي آسيا يفيد بأن التطرف ولد على الدوام تطرفا أكبر وأقبح. فحينما تسلم المقاتلون السلطة في كابول عام 1989 إثر انتصارهم على القوات السوفياتية الغازية، وصف هؤلاء بالمتطرفين، وهم كانوا كذلك فعلا قياسا إلى رموز الحقبة السابقة لهم، لكن سرعان ما برز على الساحة الأفغانية من هم أشرس وأكثر تطرفا، مثل "الملا محمد عمر" وأتباعه في حركة طالبان، التي تولت المخابرات العسكرية الباكستانية رعايتها ودعمها وتمكينها من الوصول إلى السلطة في كابول عام 1996، لتنفيذ أجندات إسلام أباد الإقليمية. فكان ذلك إيذانا ببدء حقبة سوداء مريرة في تاريخ أفغانستان والعالم الإسلامي بأسره، بسبب تشويه الطالبانيين للدين الإسلامي بحماقاتهم السياسية، وفتاواهم الدينية السقيمة، وخروقاتهم الفظيعة لأبسط حقوق الإنسان الأفغاني، ناهيك عن احتضانهم كل من هو على شاكلتهم من متطرفين ومهووسين بالقتل والتدمير.
وكما هو معروف، استمرت "طالبان" في غيها إلى أن جاءت نهايتها على يد القوات الأمريكية، التي أخرجتها من الحكم، وشتت شمل قادتها في ضربات جوية عنيفة عام 2001 إثر هجمات 11 سبتمبر. ومنذ تلك اللحظة، بدأت محاولات الطالبانيين العودة إلى الحكم عبر عمليات القتل والتدمير والتفجير الوحشية ضد أتباع نظام كابول المدعوم من الغرب. وعلى هامش هذا التطور، انقسمت حركة طالبان إلى حركتين "طالبان أفغانستان وطالبان باكستان"، قاسمهما المشترك الهوية العرقية البشتونية، والتشدد والغلو، وسفك دماء الأبرياء. وبدا المشهد أكثر شفقة في باكستان، التي أسست الحركة كي تخدمها، فإذا بها تعاني منها ومن حماقات رموزها، وسط شماتة خصومها في كابول، الذين راحوا يرددون "هذه بضاعتكم ردت إليكم"، ووسط ضغوط حلفائها الغربيين، الذين اتهموها بالتراخي لجهة التعامل مع قادة وأنصار طالبان باكستان.
فمسلحو حركة طالبان باكستان هم من حاولوا اغتيال الطالبة "ملالا يوسف زاي" في باكستان سنة 2012 بأمر من "الملا فضل الله"، الذي تولى قيادة الحركة بعد عام من ذلك، فقط لأنها دافعت عن حقوق قريناتها في باكستان وأفغانستان في التعليم. وهم المسؤولون عن مذبحة مدرسة بيشاور في كانون الأول (ديسمبر) 2014، حينما هاجم ستة مسلحين تابعين للحركة مدرسة يديرها الجيش الباكستاني، ما أدى إلى مقتل 141 شخصا معظمهم من الأطفال، وإصابة عشرات آخرين، وهم من قاموا على مدى السنوات القليلة الماضية بتنفيذ عديد من الهجمات الدموية ضد شيعة باكستان ومساجدهم.
والمعروف أن "الملا راديو"، الذي لقي مصرعه بالطريقة نفسها التي قضى بها الأمريكيون على ثلاثة من كبار رفاقه، وهم: مؤسس الحركة بيت الله محسود، الذي قتل عام 2009، وحكيم الله محسود ثاني قادة الحركة، الذي قتل عام 2014، وخالد محسود "أو خان سعيد ساجنا"، الذي قتل في فبراير 2018 شمالي وزيرستان، له سجل أسود وسيرة لا تشرف.
تقول سيرته إنه ولد عام 1947 في مقاطعة "خيبر بختونخوا" بوداي "سوات" شمال غربي باكستان لأسرة بشتونية، وإنه قضى شطرا من حياته يبيع الحطب قبل أن يلتحق بإحدى المدارس الدينية لدراسة ترجمة القرآن الكريم وعلوم الفقه والشريعة، وأثناء دراسته تعرف على عدد من الطلبة، الذين تشكلت منهم فيما بعد حركة طالبان، فدخل معهم الأراضي الأفغانية، وبقي هناك يعمل في صفوف إمارة الملا محمد عمر إلى أن استهدفها الأمريكيون عام 2001، حيث قاتل ضد القوات الأمريكية. وما إن انهارت تلك الإمارة حتى فر الرجل عائدا إلى وطنه الأم ليقع في قبضة الأمن الباكستاني. وبعد فترة في المعتقل، أطلق سراحه فانضم إلى "حركة تطبيق الشريعة المحمدية" "تحريك"، وهي حركة مسلحة تأسست في باكستان عام 1992، وارتبطت بحركة طالبان الأفغانية بعد عام 1996، وصنفتها إسلام أباد كحركة إرهابية عام 2002.
وفي كانون الثاني (يناير) 2002، تمكن الأمن الباكستاني من اعتقال زعيم ومؤسس "تحريك" المدعو صوفي محمد، فخلفه في القيادة زوج ابنته الملا فضل الله، الذي انتهز الفرصة، وفرض سيطرته على نحو 60 قرية في مناطق القبائل البشتونية في وادي سوات، محاولا في الفترة بين 2007 و2009 إقامة إمارة إسلامية مستقلة عن سلطة إسلام أباد.
وبعد الإفراج عن صوفي محمد، دخل الأخير وصهره "الملا راديو" في مفاوضات مع الجيش الباكستاني، فكانت النتيجة إبرام اتفاقية لوقف إطلاق النار، والسماح لميليشيات "تحريك" بتطبيق الشريعة في مناطق محدودة، لكن الاتفاقية لم تمنع وقوع اشتباكات بين الطرفين في تموز (يوليو) 2010، أدت إلى إصابة فضل الله ونجاحه في الهرب إلى أفغانستان، حيث أقام بها قبل أن يعاود منذ 2011 شن الهجمات ضد القوات الباكستانية في محاولة للعودة وبسط نفوذه على المناطق القبلية. وقد قيل في يونيو 2012 إنه نجح في السيطرة على مساحة 20 كيلومترا مربعا من إقليم نورستان على الحدود الأفغانية - الباكستانية.
وهكذا، نجد أن اصطياد وقتل "الملا راديو" يعد جائزة ثمينة لكل الأطراف.

إنشرها