التبادل التجاري الصيني - الأمريكي

|

كان التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة محدودا في ثمانينيات القرن الماضي، حيث لم تتجاوز قيمة الصادرات الصينية إلى أمريكا أربعة مليارات دولار في 1985، بينما قاربت قيمة الصادرات الأمريكية إلى الصين المبلغ نفسه تقريبا. وبعد خمس سنوات ــ أي في 1990 ــ ارتفعت الصادرات الصينية إلى أكثر من 15 مليار دولار، وارتفع معها الفائض التجاري الصيني مع أمريكا إلى أكثر من عشرة مليارات دولار. ثم بعد عشر سنوات، قفزت الصادرات الصينية لأمريكا إلى 100 مليار دولار، وقفز معها الفائض التجاري الصيني الثنائي إلى أكثر من 83 مليار دولار في 2000. لم يتوقف النمو السريع للصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بعد ذلك، لكنه نما باطراد مع مرور السنوات حتى وصل إلى 365 مليار دولار في 2010 محققا فائضا يتجاوز 270 مليار دولار. تباطأ معدل نمو الصادرات الصينية بعد ذلك، لكن قيمه الهائلة استمرت في الارتفاع متجاوزة نصف تريليون دولار في 2017، كما بلغ الفائض التجاري للعام نفسه نحو 375 مليار دولار.
تحتل الصين صدارة الشركاء التجاريين مع الولايات المتحدة والمصدرين إليها. وجاء نحو 22 في المائة من إجمالي الواردات السلعية الأمريكية من الصين في 2017، بينما أتت الصين في المركز الثالث للصادرات الأمريكية بعد كندا والمكسيك، حيث صدرت الولايات المتحدة إليها نحو 8.5 في المائة من إجمالي صادراتها. شكل العجز التجاري مع الصين العام الماضي نحو 47 في المائة من إجمالي العجز التجاري الأمريكي الهائل مع العالم الخارجي، الذي وصل إلى نحو 796 مليار دولار. بيانات التبادل التجاري تظهر ميلا قويا لمصلحة الصين، مما يعني أن هناك أسبابا قوية تقف وراء هذا الميل. تلقي الولايات المتحدة باللوم على السياسات الصينية التجارية، لكن الواقع يقول إن السياسات الأمريكية الاقتصادية تتحمل جزءا من المسؤولية.
تتمتع الصين ببعض المزايا التفضيلية في تجارة السلع، لعل أبرزها رخص أجور العمالة مقارنة بالأجور في الولايات المتحدة، مما يعطيها ميزة تصدير السلع التي ترتفع فيها تكاليف العمالة ويجعلها أقوى على المنافسة مع الصناعات داخل الولايات المتحدة. كما تتمتع الصين أيضا بعدد السكان الكبير الذي يتجاوز أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة، مما يمنح صناعاتها مزايا اقتصاديات الحجم التي تسهم في خفض تكاليف عدد كبير من المنتجات. أسهمت السياسات الصينية التجارية المشجعة للتصدير في رفع قيم الصادرات الصينية، كما أسهم دور الحكومة القوي في الصناعة في تشجيع التصدير. تسهم أيضا سياسات التحكم في العملة في الحد من نمو قيمة العملة الصينية، الذي يحد من ارتفاع أسعار السلع الصينية المصدرة للخارج ويجعلها أكثر تنافسية. هناك سياسات صينية أخرى تسهم في زيادة تنافسية المنتجات الصينية، كالقيود البيئية الأقل صرامة مقارنة بالقيود البيئية الأمريكية، وكذلك السياسات العمالية المتراخية نوعا ما في الصين، كما تسهم سياسات التمويل الصينية ــ التي تتحكم فيه السلطات المركزية ــ في خفض تكاليف التمويل داخل الصين.
من جهة أخرى، تتمتع الولايات المتحدة بفائض كبير مع العالم الخارجي في قطاع الخدمات، حيث تصدر خدمات تقدر قيمتها بنحو ثلاثة أرباع تريليون دولار وتستورد ما قيمته نصف تريليون دولار. ويعتقد أن حجم تجارة الخدمات أكبر من ذلك، بسبب النقص في المعلومات والإبلاغ عن تجارة الخدمات. وتتمتع الولايات المتحدة بفائض في تجارة الخدمات مع الصين قد يتجاوز 40 مليار دولار سنويا. تستفيد الولايات المتحدة أيضا من الصادرات والاقتصاد الصيني من خلال عوائد استثمارات شركاتها الهائلة في الصين. فشركة مثل جنرال موتورز تفوق مبيعاتها داخل الصين مبيعاتها الأمريكية، كما تصنع شركة أبل معظم جوالاتها في الصين، ويسري الحال على كثير من الشركات الأمريكية. كما ينبغي ألا ننسى أن جزءا كبيرا من التجارة بين البلدين يعود إلى التجارة بين أفرع الشركات متعددة الجنسيات المنتشرة حول العالم، حيث يقدر بعضهم أن ثلث التجارة العالمية هي بين أجزاء الشركات المتعددة الجنسيات، التي يسيطر على جزء كبير منها مستثمرون أمريكيون. لهذا، فإن الولايات المتحدة تستفيد أيضا من الفائض التجاري الصيني مع العالم ككل.
تعاني التجارة الخارجية الأمريكية في السلع من عجز كبير لسنوات طويلة مع عديد من الدول الكبرى والصغرى، وهذا يعني أن العجز التجاري الأمريكي لا يقتصر على الصين وحدها، مما يؤكد أن هناك أسبابا تعود إلى الاقتصاد الأمريكي، الذي يركز فيه على الخدمات أكثر من التصنيع. ينخفض الدعم الحكومي الأمريكي للصناعة، ما يخفض من قدرة المنتجات الأمريكية على المنافسة مقارنة بالدول التي تدعم صناعاتها. وقد يعود العجز أيضا إلى قدرة الولايات المتحدة على طبع النقود بلا حدود وقبول العالم بعملتها وسنداتها، ما يرفع من قيمة الدولار الأمريكي مقارنة بالعملات الأخرى ويخفض تكاليف الدين الأمريكي وييسر لأمريكا استيراد واستهلاك مزيد من السلع بأسعار منخفضة مقارنة مع صناعاتها المحلية. كما تسهم عادات الشعب الأمريكي، التي تميل إلى الاستهلاك على حساب الادخار وغنى شرائح واسعة منه، بزيادة الطلب على الواردات.

إنشرها