أخبار اقتصادية- عالمية

الدولار يهيمن على اقتصاد العالم رغم تآكله.. واليورو يفشل واليوان عملة هامشية

يصعب إنكار أن العولمة والتجارة الدولية وأسواق المال ذات الطابع العالمي وسهولة الاتصالات، جميعها عوامل تسمح للشركات والمستثمرين في جميع أنحاء العالم، بالعمل معا بشكل أكبر وسط مناخ أكثر ثقة بشأن إتمام معاملتهم بطريقة مربحة للجميع. 
لكن عددا من الدراسات الحديثة كشفت أن المستثمرين لا يزالون يفضلون وبقوة شراء الأصول بعملتهم المحلية أو بالدولار الأمريكي، وهذا يعني أن الشركات الأمريكية التي تصدر سندات بالدولار قادرة على الاقتراض بشكل أكثر تميزا عن غيرها من الشركات الدولية. 
ويرتبط بهذا أيضا أن الاقتصاد العالمي، وبسبب تلك الرغبة في الشراء بالعملة المحلية أو الدولار، سيكون أكثر انحيازا للشركات الكبيرة فهي فقط التي تمتلك المعرفة والموارد اللازمة لإصدار أوراق مالية بعملة أجنبية.
والأكثر أهمية وخطورة أن الشركات الأمريكية الصغيرة أو متوسطة الحجم تكون في وضع تفضيلي وأكثر متانة اقتصادية، مقارنة بنظيرتها من الاقتصادات الأخرى سواء كانت يابانية أو صينية أو ألمانية أو أيا كانت جنسيتها، إذ غالبا سيكون لديها قدرة أعلى من منافسيها الدوليين، أن تضفي طابعا عالميا على سنداتها مقارنة بالشركات الأخرى، نظرا للرغبة الدولية في الاستثمار بالدولار.
ويعتقد إل. دي. رون الخبير الاستثماري بأن "الدولار الأمريكي هيمن على الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن مع بروز العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) شهدت الأسواق الدولية انحيازا نسبيا لليورو، لكنها لم تكن تمثل تحديا مطلقا للدولار، ولكنها وسعت من دائرة الخيارات المتاحة أمام الشركات الدولية لإصدار سندات مقومة بعملات أخرى غير الدولار، إلا أن هذا المشهد ظل قائما حتى الأزمة الاقتصادية الأخيرة عام 2008، حيث شهت الأسواق الدولية تحولا كبيرا من استخدام اليورو إلى الدولار، وتحديدا في السندات الدولية، ويرجع هذا إلى قدرة الولايات المتحدة على الخروج من أزمتها الاقتصادية أسرع من الاتحاد الأوروبي".
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "الاتجاه العام المستقبلي سيكون أكثر انحيازا للدولار، خاصة مع رفع المجلس الفيدرالي لأسعار الفائدة، إذ سيعزز ذلك الإقبال على الدولار، مقارنة بغيره من العملات". 
باختصار فإن الشركات الأمريكية تدخل الأسواق الدولية بطرق لا يمكن للشركات القادمة من بلدان أخرى أن تنافسها فيها، بسبب وضع الدولار المهيمن كعملة دولية.
وتتجلى قوة العملة الأمريكية، في أن معظم عمليات الإقراض بالدولار خارج الولايات المتحدة لا تتم عبر مصارف أمريكية، وإنما مصارف أوروبية ويابانية، ويصل إجمالي إقراضها السنوي بالدولار نحو سبعة تريليونات دولار.
ويقول لـ "الاقتصادية"، جون ريد الخبير المصرفي، إنه "إذا استثنينا المصارف الأمريكية، فسنجد أن مصارف الاقتصادات الدولية الأخرى كافة، تدعم الدولار سواء شاءت أم آبت، فالثقة الدولية في العملة الأمريكية، والقبول العام بها باعتبارها العملة الرئيسة في العالم، يجعل من الضروري على المصارف أن تعزز أرصدتها الدولارية، وهذا يعني منطقيا تعزيز وضع الدولار، بل والأكثر خطورة أن تلك المصارف ستعمل بل وربما ستقاتل لأن يكون وضع الدولار مأمونا ومستقرا وقويا، لأن ذلك يعني أنها في أمان من أي عملية إجهاد مالي تتعرض له".
وهذا الوضع تحديدا الذي تدافع فيه المصارف الدولية عن الدولار، حتى مصارف الدول التي ترغب في أن تنافس الدولار يوما ما أو تحل محله مثل اليوان الصين أو حتى اليورو الأوروبي، هي ذاتها التي تدافع عن الدولار، وتقف عند التطبيق العملي في موقف المناصر للعملة الأمريكية، فانهيار الدولار يعني انهيارها وخسارة أرصدتها الضخمة منه، وتلك الأرصدة هي ما تمنح عملتها المحلية القوة الضرورية للمنافسة دوليا.
وتبدو الدائرة إذا مغلقة، ويبدو أن الاقتصاد العالمي كتب عليه البقاء أسيرا للدولار لعقود مقبلة، ومع هذا فإن الدكتور وليام تشارلز أستاذ الاقتصاد الدولي يعتقد أن الدولار ليس قدرا للاقتصاد العالمي، وأن التغييرات الاقتصادية الراهنة قد يبدو تأثيرها في العملة الأمريكية بطيئا، ولكن هناك تآكلا مستمرا في وضعية الدولار.
وعلى الرغم من قناعته بأن مساعي البعض مثل إيران وفنزويلا وإلى حد ما روسيا والصين، بإحلال عملات أخرى محل الدولار في التجارة الدولية ستمنى بالفشل، فإنه يحذر من أن السعي لتقليص دور الدولار في الاقتصاد الدولي دون أن يكون الاقتصاد العالمي جاهزا ببديل للعملة الأمريكية سيؤدي إلى أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل على حد قوله.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أنه "يجب ترك الأمر لقوى السوق، فموازين القوى الاقتصادية غير ثابتة، وهي كائن حي متحرك، فتراجع حصة الولايات المتحدة في التجارة الدولية في العقدين الماضيين لمصلحة دول أخرى سيؤدي إلى تراجع طبيعي في قوة الدولار، وهذا النهج التدريجي سيكون في مصلحة الجميع، لأنه يتسم بالواقعية، أما محاولة تشكيل تحالفات دولية لهز مكانة الدولار لمصلحة عملة أخرى أو سلة من العملات، فقد يؤدي إلى خسارة الجميع، فإذا استخدم اليوان كما يروج البعض أو اليورو كما يرغب الاتحاد الأوروبي في تسوية معاملات التجارة الدولية، فإن لعنة الأرصدة الدولارية ستبدأ، وسيسعى الجميع إلى التخلص مما لديه من دولارات سريعا وفي وقت قصير، وهذا قد يعطل عمل الأسواق الدولية خاصة المالية بشكل مروع". 
ومع هذا يرى أنصار الدولار أن العملة الأمريكية في مأمن من أي تحد في الأجل القريب، وتحديدا في العقد القادم على الأقل، وأن مراهنة البعض على اليورو الأوروبي قد ذهبت أدراج الرياح، خاصة بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران. 
فعلى الرغم من رغبة الحكومات الأوروبية في حماية شركاتها من أي عقوبات أمريكية، إلا أن تلك الشركات ذاتها قررت الانسحاب من السوق الإيرانية، فعلى الرغم من أن اليورو ثاني عملة احتياطي في العالم، إلا أن القليل من المعاملات الدولية تتم بالعملة الأوروبية الموحدة، وتدرك الشركات الأوروبية أنها ستواجه مصيرا مزريا إذا تحدت القرار الأمريكي، وواصلت تعاملها مع إيران، والسبب ببساطة شديدة يكمن في الدولار وقوته.
لورين جون الباحثة الاقتصادية في بنك إنجلترا، أن "الأمر شديد البساطة، الاقتصاد العالمي يدور حول الدولار، وعندما تجرى مبادلة تجارية بين شركة أوروبية والأسواق الإيرانية فإن الصفقة ربما تنطوي على عملات متعددة، لكنها تتم في الغالب من خلال مؤسسات مالية تستخدم الدولار، ومن ثم ستكون عرضة لغضب واشنطن، والحديث الذي يروج له خصوم الولايات المتحدة من اليسار الأوروبي أو بعض الليبراليين بدعم اليورو لخفض هيمنة الدولار محدود للغاية، فيمكن للأوروبيين أن يعززوا قوة اليورو باستخدام السندات الأوروبية، ولكن لهذا الخيار له سقف محدود، وهو اتجاه تروج له فرنسا وإيطاليا، بينما ألمانيا أكثر واقعية وتمنح الأولوية للاستقرار الاقتصادي وتحديدا مستويات الأسعار".
ومع هذا، يراهن البعض على اليوان الصيني كتحد حقيقي للدولار، فتدويل اليوان يدخل ضمن السياسات الرئيسة التي تركز عليها الحكومة الصينية منذ نصف عقد تقريبا، ونظرا لسعي بكين إلى تعزيز التجارة والاستثمار وإرساء نفوذها كقوة اقتصادية عالمية، فإن الاستخدام الأكثر لليوان يعد هدفا استراتيجيا لصانع القرار في الصين. 
ويشكل بروز العملة الصينية كتحد لنظيرتها الأمريكية من وجهة نظر دفييد أدين الخبير في أسعار الصرف والاستشاري في مجموعة لويدز المصرفية أمرا مستبعدا خلال العقد المقبل.
ويفسر ذلك لـ "الاقتصادية" قائلا: إنه" في أفضل الأحوال سيكون اليوان عملة ذات طابع إقليمي، فالسلطات الصينية تسير على خط رفيع بين تدويل عملتها وممارسة درجة عالية من السيطرة على تدفقات رأس المال داخل البلاد وخارجها، ولا شك أن مخاطر الحمائية التجارية وتقلبات الأسواق المالية في الصين لها انتكاسات تجعل من الصعب على المجتمع الدولي القبول باليوان بديلا للدولار، خاصة أن معظم إن لم يكن جميع السلع الرئيسة في العالم تسعر بالدولار، وهو ما يجعل اليوان عملة دولية ولكن هامشية". 

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية