معالجة تأخر نشر البيانات وتعارض بعضها

|
لا يمكن تجاهل الخطوات المتقدمة، التي حدثت على مستوى سرعة نشر البيانات والإحصاءات المتعلقة بمختلف أنشطة الاقتصاد الوطني، ومن يقارن وضعها اليوم بما كانت عليه قبل عقد زمني مضى على سبيل المثال، فسيوافق هذا الرأي بكل تأكيد. لم يعد يعاني أي مستفيد أو مهتم بتلك الإحصاءات على اختلاف أنواعها، عدم قدرته على الحصول عليها، إذ أصبحت متوافرة بصورة جيدة إلى حد بعيد، وأصبحنا نشهد سباقا تنافسيا بين مختلف الأجهزة الحكومية، في مضمار سرعة النشر واتساع دائرة البيانات، وهو بلا شك الإنجاز الذي تستحق عليه الشكر أي من تلك الأجهزة المصدرة والناشرة لأي إحصاءات تدخل في صميم عملها، التي بنجاح جهودها تلك ستخدم كثيرا صانع القرار، وتضعه في الإطار المعلوماتي الدقيق، اللازم لاتخاذ القرارات والإجراءات بما تقتضيه التطورات والأوضاع الراهنة للمجال المعني بتلك الإحصاءات والبيانات، ولا ينسى أهميتها أيضا لبقية الشرائح الأخرى المستفيدة منها، بدءا بالأجهزة الحكومية الأخرى ذات العلاقة، مرورا بمنشآت القطاع الخاص حسب علاقتها وارتباطها بنوعية تلك الإحصاءات، وانتهاء بشرائح مؤسسات البحث والدراسات والمهتمين والمختصين على اختلاف مشاربهم. تمثل الهيئة العامة للإحصاء "رأس الحربة" في هذا الشأن، حيث قطعت أشواطا ناجحة ومهمة جدا على هذا الطريق، لا يمكن اختصار نجاحها الواسع والملموس في هذا المجال في بضعة أسطر، إنما تجدر الإشارة والإشادة أيضا بما أنجزته من تقدم كبير في هذا المضمار، سواء على مستوى إسراعها بنشر بيانات متعددة الاختصاصات، كانت قبل عدة سنوات تعاني تأخر نشرها، أو على مستوى تطويرها عديدا من التقارير والإحصاءات والمؤشرات الجديدة، التي أَثْرَت كثيرا جوانب معلوماتية ومعرفية كانت غائبة تماما عن المشهد الإحصائي المحلي، وهو ما يزيد من الطموح بمزيد من التطور والتوسع المنتظر من هذا "المخزن المعلوماتي الأكبر" للإحصاءات والمؤشرات عديدة الأغراض. ولا يقل أهمية في هذا الشأن، ما قامت به ولا تزال بقية الأجهزة الحكومية الأخرى من نشر مستمر ومنتظم، لما لديها من إحصاءات أكثر تفصيلا حول ما يندرج تحت مسؤولياتها ومهامها الأساسية، يأتي في مقدمة تلك الأجهزة "مؤسسة النقد العربي السعودي"، التي لا تقل أهمية ما تنشره من بيانات اقتصادية ومالية، وغيرهما، عما تقوم بنشره الهيئة العامة للإحصاء، وقد تراها تتفوق على الأخيرة في بعض المجالات المالية والاقتصادية، وهو التنافس المثمر المؤدي إلى تحقق الفائدة بدرجة أكبر من الثراء المعلوماتي والإحصائي. أيضا، دخلت "وزارة العدل" بصورة لافتة على ميدان التنافس المعلوماتي خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وأصبحنا بعد عقود طويلة من الانتظار أمام ثروة معلوماتية هائلة، لعل من أهمها البيانات والتفاصيل الدقيقة جدا حول نشاط السوق العقارية المحلية، التي يتم تحديثها يوميا، وهو الإنجاز الكبير الذي كان الاقتصاد الوطني بحاجته الماسة طوال عقود مضت دونها، ودون مبالغة تذكر هنا، فإن ما قامت ولا تزال تقوم به وزارة العدل في هذا الشأن، تحديدا، أعُده إحدى أكبر الإضافات المعلوماتية في البيئة المحلية للإحصاءات إن لم يكن هو الأكبر والأهم على الإطلاق طوال العقود الماضية. كل ما تقدم لا يعني بلوغنا درجة الكمال، فما زال هناك كثير منتظَر إنجازه، سواء على مستوى سرعة نشر البيانات، أو على مستوى تنوعها وتغطيتها جوانب عديدة مجهولة، أو على مستوى تضاربها أو تعارضها في أحيان أخرى. فما زالت بعض الأجهزة الحكومية تعاني تأخر نشر تقاريرها السنوية، في الوقت ذاته الذي ننتظر تحولها إلى تقارير دورية ربع سنوية على أقل تقدير، تحتوي على إحصاءات قيمة وبالغة الأهمية، هذا عدا إغفال بعضها شمولية بياناتها المنشورة، وهو ما يقلل من كفاءة وجدوى تلك البيانات والإحصاءات. وليس الحل هنا كما يعتقد البعض، الاكتفاء بما تنشره الهيئة العامة للإحصاء، وأن تتكفل وحيدة بإصدار ونشر تلك الإحصاءات كافة، ما يخالف التجارب الدولة الناجحة في البلدان المتقدمة، بل يتم العمل الإحصائي وتطويره في الخطين المتوازيين ذاتيهما، جانب يعتمد على الهيئة، وآخر يعتمد على الجهاز الحكومي المعني ببياناته وإحصاءاته، كلاهما يغذي بعضه بعضا، وإن كانت الأجهزة الحكومية ستنتج بكل تأكيد في سرعة النشر، واتساع تفاصيل الإحصاءات، وتمكنها بدرجة أكبر من الرد الأسرع على الاستفسارات ذات العلاقة بالإحصاءات الصادرة عنها، كونها المسؤولة الأولى قبل غيرها من الأجهزة، بما فيها الهيئة العامة للإحصاء، التي لن تستطيع الوفاء بهذا الجانب تحديدا، لا على مستوى الرد والإيضاح، ولا على مستوى سرعة النشر مقارنة بالجهة المعنية والمصدرة لها. أما بالنسبة للتعارض أو التضارب، فقد يحدث، إذا اختلف مصدر البينات أو الإحصاءات نفسها، وهو ما كان الشأن المحلي يعانيه كثيرا سابقا، كإحصاءات سوق العمل المحلية، التي كانت تعاني تضاربا كبيرا إلى ما قبل نحو العامين، أصبحنا في الوقت الراهن نشهد إغلاقا نهائيا لهذا التضارب، بعد أن أصبحت الهيئة العامة للإحصاء تعتمد بصورة أكبر في نشراتها الدورية لسوق العمل المحلية، على المصادر الرسمية للبيانات، عوضا عن مسوحها التي كانت تفتقر إلى الدقة، مقارنة بالسجلات الرسمية المعدة من الأجهزة المعنية "وزارة الخدمة المدنية، وزارة العمل، المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية"، وهو تقريبا ما شهدنا جميعا تضييق حالات التضارب فيه أخيرا بالنسبة لبقية البيانات والإحصاءات، وبكل تأكيد، ففي حال نشوء مثل هذا التضارب أو التعارض، سيكون الحل الأمثل العودة إلى الجهة الحكومية المصدرة أصلا لتلك الإحصاءات. ختاما، يمثل تنوع وتعدد مصادر نشر البيانات والإحصاءات، إثراء لا مجال لقياس فوائده بأرقام اليوم، وهو ما يختلف كثيرا عن مقولة توحيدها في جهة رسمية واحدة كما قد يعتقد البعض خاطئا، وسبق التطرق أعلاه إلى أهم مزايا هذا التوجه، مع التأكيد على أن الاندفاع التنافسي لمختلف الأجهزة الحكومية في مجال سرعة النشر المعلوماتي لما لديها من بيانات وإحصاءات، ستنعكس إيجابياته بصورة أفضل بكثير من مجرد "خنقها" عبر قناة واحدة، كالهيئة العامة للإحصاء، ويتجاوز بتحققه كلا من عقبة تأخر النشر، أو قصور تنوع البيانات والدخول في التفاصيل الدقيقة، التي ستكون الهيئة عاجزة تماما عن منافسة الجهة المصدرة لتلك البيانات، بل قد تعاني الهيئة نفسها تضارب البيانات التي تصدرها، كما هو قائم في الوقت الراهن حول أعداد السكان السعوديين، حيث تظهر بيانات الهيئة انخفاض أعدادهم بمنتصف 2013 مقارنة بمنتصف 2012 بنحو 628.7 ألف نسمة "بلغ تعداد المواطنين 19.8 مليون نسمة منتصف 2012، بينما بلغ 19.2 مليون نسمة منتصف 2013"، والسبب في ذلك يعود إلى اختلاف التقديرات السكانية بالاعتماد على نتائج تعدادات السكان حتى 2010، ثم إلى واقع مسحها الديموغرافي 2016 "من عام 2013 إلى عام 2017"، وبالطبع لا يعد ذلك مبررا لحدوث هذا الانخفاض غير الصحيح في أعداد المواطنين، وضرورة معالجته التامة من قبل كادر الهيئة العامة للإحصاء. والله ولي التوفيق.
إنشرها