اللباس والهندام شرط لبناء «الكاريزما»

|


ناقشت في مقال الأسبوع الماضي معنى كلمة "كاريزما"؟ وقدمت البراهين على أنها لا تولد مع الإنسان بل هو من يصنعها إذا رغب فيها. وعرجت على الخطوات السبع لبناء الـ "كاريزما" التي ليست حكرا على شخصية بعينها أو ظروف بذاتها بل تعتمد اعتمادا كليا على رغبة الفرد في اكتسابها. بيّن وليام كوهين ـــ صاحب كتاب فن القيادة ـــ سبع خطوات تمكّن الفرد أي فرد من تكوين "الكاريزما" وهي ما يطلق عليها "خطوات كوهين السبعة لاكتساب الكاريزما"، وسأكرر هذه الخطوات هنا مرة أخرى لأهميتها، وهي:
1. أظهر التزامك بأهدافك.
2. ارتد ما يتناسب مع دورك.
3. لتكن أحلامك كبيرة.
4. لا تتوقف عن السعي وراء أهدافك.
5. قم بواجباتك.
6. أحط نفسك بهالة من الغموض.
7. اتبع الأسلوب غير المباشر.
وذيلت مقال الأسبوع الماضي بمناقشة الخطوة الأولى من خطوات بناء "الكاريزما" ألا وهي "إظهار الأهداف أمام الناس" ومن ثم الالتزام بها بحماس صادق غير مزيف يخرج من أعماق النفس البشرية. في هذا المقال سأناقش الخطوة الثانية وهي "ارتد ما يتناسب مع دورك". قام جون مولوي صاحب كتاب "ارتد ما يجعلك ناجحا" بدراسة تأثير ملابس القائد على بناء الكاريزما. وتوصل إلى نتائج مذهلة وثقها في كتابه.
وضح "مولوي" أن كل مجموعة من مجموعات العمل تتطلب ملابس معينة تختلف عن غيرها، فإذا أردت أن تكون قائدا له "كاريزما" فعليك أن ترتدي ملابس مجموعة المهنة. فعلى سبيل المثال، لن تكون قائدا لديه "كاريزما" إذا كنت تقود فريقا من العمال يعملون في مزرعة مواش وأنت ترتدي بذلة اجتماعات فخمة، منظر كهذا لن يبني لك كاريزما يقبلها أتباعك.
وأكثر من أدرك تأثير اللباس في بناء "الكاريزما" هم العسكريون ومنذ وقت طويل حتى قبل صدور كتاب "ارتد ما يجعلك ناجحا". القادة العسكريون غالبا ما يصممون ملابسهم العسكرية، حيث تخدم الصورة التي يودون أن يراهم الناس عليها. وهناك أمثلة كثيرة لقادة عسكريين بنوا لهم "كاريزما" بناء على نوعية الملابس التي يرتدونها، ومن هؤلاء أسد الله حمزة بن عبدالمطلب ـــ رضي الله عنه ـــ، والمارشال مونتجمري، وأيزنهاور، ونورمان شوارزكوف، وغيرهم كثير.
فلو أخذنا حمزة بن عبدالمطلب ـــ رضي الله عنه ـــ لوجدنا أنه كان يتوسط أرض المعركة ولا يرضى بالأجنحة مرتديا لباس الحرب وعلى صدره ريشة النعام التي تعود الناس رؤيتها تزين صدره فيضرب في الأعداء وكأن المنايا طوع أمره. وقد فسر البعض أن ريشة النعام التي يضعها حمزة على صدره أنها استعراض للشجاعة وعدم مبالاته بالعدو، بينما الفكر العسكري يرى أنه ـــ رضي الله عنه ـــ يريد من هذه الريشة بناء "كاريزما" خاصة به ولو لم يطلق عليها كاريزما في حينه.
كما أن المارشال مونتجمري يقوم بعمل مشابه، حيث كان يلبس بيريه (قبعة عسكرية) خاصة به يثبت عليها شعار الوحدات التي كان يقودها حتى في خضم المعارك الحامية. وعندما كان الجنود يرون رجلا يلبس قبعة عسكرية مثبتة عليها شعارات كانوا يعرفون في التو واللحظة أنه قائدهم، وبهذا عرف كيف يستخدم الهندام وملابسه العسكرية من أجل أن يبني له "كاريزما".
أما أيزنهاور فقد ابتكر الجاكيت العسكري القصير الخاص به ثم انتشر استعمال هذا الجاكيت وارتداه الجيش الأمريكي بأكمله وكانوا يسمونه "آيك جاكيت". وها هو الجنرال "نورمان شوارزكوف" قائد قوات التحالف كان يرتدي الزي العسكري الصحراوي المموه الذي ارتداه خلال فترة قيادته جيوش التحاف في الشرق الأوسط إبان حرب الخليج وظل على هذا بعد عودته للولايات المتحدة بعد الحرب، وقد كان هذا الزي جزءا من سحر وكاريزما شوارزكوف. هذا من الناحية العسكرية، أما من الناحية المدنية فسوف أذكر لكم طريقة أحد الأساتذة الكبار الذي كان يطبق خاصية الهندام والملابس لبناء الكاريزما في مجال عمله في الجامعة. عندما كنت في المرحلة الجامعية الأولى لاحظت أنا ومن معي من الطلاب القدامى أن هناك أستاذا يختلف عن البقية، كنا نهابه وفي الوقت نفسه نحترمه ولا نعصي له أمرا. عندما يتكلم تخرس الأصوات وتتجه إليه العيون ونرى الدرر تتناثر من فمه كأنها تنزل عليه من السماء. ولم يكن تمكنه من المادة العلمية هو أبرز خصائصه، بل استفاد من تأثير الهندام في بناء "الكاريزما". فلم نعهده طوال السنوات العِذاب التي قضيناها في الجامعة يسير دون ربطة عنق ولم نره يوما يرتدي بدلة متردية أو رخيصة الثمن، كما لم نره في لباس واحد في محاضرتين في اليوم نفسه، بل يتعهد نفسه ويراعي لبسه وهندامه فيغير في الألوان والتصاميم والأزياء، وكنا ننتظر بشوق رؤيته لنرى ما الذي سيتغير اليوم في شكل أستاذنا. ولم أكن أعلم أنه يفعل كل ذلك من أجل أن يبني له كاريزما في محيطه وبين طلابه إلا عندما قرأت عن بناء "الكاريزما" في السنوات الأخيرة.
إذا الخطوة الثانية لبناء الكاريزما، وفقا لخطوات كوهين "البس ما يتناسب مع دورك" وبقيت خمس خطوات سأستهل مناقشتها في مقال قادم ــ بإذن الله.

إنشرها