هل يمكن لـ «وزير العمل» هزيمة البطالة لأول مرة؟

|
بداية أهنئ أحمد الراجحي؛ وزير العمل الجديد، بالثقة الملكية الغالية، وتعيينه وزيراً للعمل والتنمية الاجتماعية، سائلاً الله -العلي القدير- له ولجميع العاملين والعاملات معه التوفيق والنجاح والتقدم، وأن يتمكن من الفوز بلقب أول وزير لوزارة العمل يتمكن من هزيمة البطالة، المعدل المزعج جداً للاقتصاد الوطني والمجتمع طوال العقدين الماضيين، الذي كان لا يتجاوز قبل أكثر من 19 عاماً سقف 8.1 في المائة، إلى أن وصل بنهاية 2017 إلى أعلى مستوى له عند 12.8 في المائة "بانتظار نشر معدل البطالة للربع الأول من 2018 في نهاية الشهر الجاري". بالعودة إلى نتائج أعمال آخر أربعة وزراء للعمل بوضعها الراهن، بدءاً من غازي القصيبي ــ رحمه الله ــ الذي تولى منصبه وزيراً للعمل مع منتصف نيسان (أبريل) 2004، في أثناء مسار متصاعد لمعدل البطالة طوال فترة مَن سبقوه من وزراء للعمل، بدأ عمله آنذاك في الوقت الذي كان معدل البطالة مستقراً عند 11 في المائة، وحينما توفاه الله بعد 6.4 سنة قضاها ــ رحمه الله ــ في منصبه مع منتصف آب (أغسطس) 2010، كان معدل البطالة قد ارتفع إلى 11.2 في المائة؛ علما أن المعدل انخفض خلال فترته إلى 9.8 في المائة بنهاية النصف الأول من 2008، إنما النتيجة النهائية جاءت لمصلحة البطالة على حساب القصيبي! تلاه عادل فقيه؛ وزيراً للعمل، الذي تولى مهام الوزارة مع منتصف آب (أغسطس) 2010، ومعدل البطالة عند 11.2 في المائة، وغادر منصبه مع نهاية نيسان (أبريل) 2015، بعد أن قضى نحو 4.8 سنة على رأس وزارة العمل، في الوقت نفسه الذي كان فيه معدل البطالة وصل إلى 11.6 في المائة، ولتأتي أيضاً النتيجة النهائية للمرة الثانية على التوالي لمصلحة البطالة على حساب فقيه! وكانت فترة فقيه؛ قد شهدت إقرار أعلى عدد من برامج التوطين، جزء منها ما زال سارياً مفعوله حتى تاريخه، وجزء تم تعديله وإعادة معالجة أوجه القصور التي طرأت عليه، وعلى الرغم من ارتفاع معدلات التوطين بالتزامن مع تلك الفترة، إلا أنها اتسمت أيضاً بتفاقم التوطين الوهمي، وزيادة الاستقدام بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ سوق العمل المحلية. وكان متوقعاً من تاريخ تلك التطورات المتسارعة، أن تأتي بنتائج عكسية مؤلمة خلال فترات لاحقة، وهو بالفعل ما حدث في أثناء فترات من تلاه من وزراء العمل، كما سيأتي إيضاحه، وهو الأمر الذي يقتضي أن يتنبّه إليه الوزير الراهن "الراجحي"؛ ويعمل على تجاوزه والوصول إلى حلول أوسع وأعمق من مجرد زيادة توطين، وتخفيض استقدام، وصولاً إلى معالجة التشوهات الكامنة في سوق العمل المحلية "القطاع الخاص"، المرتبطة بدرجة كبيرة بتشوهات الاقتصاد الكلي، التي تخضع خلال الفترة الراهنة لإصلاحات واسعة وعميقة "رؤية المملكة 2030"، وأنه لا يمكن القفز بأي حال من الأحوال بوضع سوق العمل المحلية خارج دائرة الاقتصاد الوطني، لا على مستوى تشخيصه وتحليله وتحديد سماته الرئيسة، ولا أيضا على مستوى الحلول المقدمة إليه لأجل زيادة التوطين وخفض الاعتماد على العمالة الوافدة، وهو ما سأستكمل الحديث عنه بشكل أوسع في المقال القادم، بإذن الله تعالى، كمساهمة أرجو أن تقدم رأياً ذا قيمة للوزير الراهن، وبالطبع كما أنها قابلة للقبول منه، فهي أيضاً قابلة للرفض من قبله، والرأي والقرار أولاً وآخراً يعود إليه؛ كونه مَن سيتحمل وحده المسؤولية كاملة قبل غيره من الأطراف الأخرى حول ما سيحدث في سوق العمل المحلية. وفي نهاية نيسان (أبريل) 2015 تولى منصب الوزارة مفرج الحقباني؛ الذي شغل منصب نائب الوزير السابق للعمل "فقيه"، كان معدل البطالة حينئذ مستقراً عند 11.6 في المائة، وعلى الرغم من استحداث الحقباني؛ وفريق العمل معه برنامج الانكشاف المهني، والقيام بتنفيذ تحسينات مهمة على برامج التوطين كنطاقات الموزون، الذي حاول من خلاله تجاوز خلل النسخ السابقة من البرنامج، وتسبّبت -مع الأسف- بدورها في زيادة أشكال التوطين الوهمي، التي شوهت بصورة كبيرة واقع سوق العمل، ومنحت مزيداً من قدرة منشآت القطاع الخاص التي أفرطت بالتوطين الوهمي على استقدام مزيد من العمالة الوافدة، وهي إحدى أخطر الثغرات التي وجدت في برنامج نطاقات بنسخه الأولية؛ بأن زيادة التوطين؛ وإن كان وهميا، تدخل المنشأة النطاق الأخضر، الذي يمنحها الضوء الأخضر لاستقدام ما تشاء من عمالة وافدة! لم يسعفه الوقت كثيراً؛ إذ سرعان ما ظهرت بصورة مبكرة نتائج الأخطاء الفادحة لبرامج التوطين السابقة، ولم يكن ممكناً بأي حال من الأحوال امتصاص تلك الآثار العكسية خلال فترة قصيرة أو متوسطة الأجل، لهذا ارتفع معدل البطالة بالتزامن مع تاريخ إعفاء الحقباني؛ مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2016 إلى 12.4 في المائة، بعد أن قضى في منصبه نحو 1.6 عام، ولتأتي النتيجة النهائية للمرة الثالثة على التوالي لمصلحة البطالة على حساب الحقباني هذه المرة! تم تعيين علي الغفيص؛ مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2016، مبتدئاً مهامه عند معدل بطالة مستقر عند 12.4 في المائة، ولم تكن فترته من حيث التحديات الكامنة في سوق العمل، وما تضمنته من استمرار ظهور النتائج العكسية لبرامج التوطين السابقة، أؤكد أنها لم تكن ببعيدة عن فترة الوزير السابق "الحقباني"؛ ولهذا واصل معدل البطالة ارتفاعه إلى 12.8 في المائة، وتمّ إعفاؤه مطلع حزيران (يونيو) 2018، بعد أن قضى نحو 1.5 عام، ولتأتي النتيجة النهائية للمرة الرابعة على التوالي لمصلحة البطالة على حساب الغفيص هذه المرة! ندخل اليوم فترة المرحلة الخامسة من المواجهة القديمة والحاسمة بين البطالة من جهة، ووزارة العمل من جهة أخرى، متمنين جميعاً أن نشهد غلبة فعلية وسريعة لجهود الوزارة، التي يتطلب تحققها جهوداً أكبر وأعمق من كل ما تقدم سابقاً من برامج وسياسات للتوطين. وللحديث بقية قادمة في المقال القادم، بمشيئة الله تعالى، حول أهم ما يمكن لوزارة العمل التقدم خلاله بهدف تجاوز أحد أكبر التحديات التنموية ممثلاً في البطالة، وتحديداً البطالة المرتفعة بين فئتي الشباب وأصحاب الشهادات الجامعية من المواطنين والمواطنات. والله ولي التوفيق. ملخص المادة : ندخل اليوم فترة المرحلة الخامسة من المواجهة القديمة والحاسمة بين البطالة من جهة، ووزارة العمل من جهة أخرى، متمنين جميعاً أن نشهد غلبة فعلية وسريعة لجهود الوزارة، التي يتطلب تحققها جهوداً أكبر وأعمق من كل ما تقدم سابقاً من برامج وسياسات للتوطين.
إنشرها