هل «الكاريزما» فطرية أم يمكن صناعتها؟

|

كلمة "كاريزما" - في الأصل - كلمة إغريقية، معناها "الموهبة الإلهية". ويرى الإغريق أن "الكاريزما" خاصية إيحائية وصفة وراثية، يمنحها الله بعض خلقه فيولدون بها. ورغم أنها ما زالت تستخدم بهذا المفهوم في وقتنا الحاضر، إلا أنه - ومن خلال التجارب والأبحاث العلمية المتتالية حول القيادة - لم يثبت أن "الكاريزما" تولد مع الإنسان، بل يصنعها الفرد بذاته.
وأول مَن شكك في هذه الفرضية نابليون بونابرت؛ حيث يقول "إن قوتي تعتمد على مجدي وانتصاراتي، وستنهار قوتي إن لم أُغَذِّها بإنجازات وانتصارات"، وأضاف يقول "فتوحاتي هي التي جعلت مني شخصية مؤثرة، وهي وحدها القادرة على إبقائي في تلك المكانة".
ويقصد نابليون - من حيث يدري ولا يدري بهذا - أن "الكاريزما" التي يتمتع بها، ورؤية الناس له كقائد ملهم لم تولد معه، بل تكونت نتيجة المجد والانتصارات، ولولا ذلك لن يراه الناس قائدا، ولم تتكون له في أذهان الناس "كاريزما". وإذا أراد أن يستمر بتلك "الكاريزما" فما عليه سوى تحقيق مزيد من الانتصارات. وهذا يدحض فرضية أن "الكاريزما" موهبة إلاهية وخاصية وراثية.
أما من الناحية النظرية فقد توصل باحثان من جامعة جنوب كاليفورنيا وهما "وارين بنيس" و"برت نانوس" إلى أن الناس ينظرون إلى الناجحين فقط على أنهم يتمتعون بـ "كاريزما"، أما أصحاب الانتكاسات والهزائم فليست لهم "كاريزما" في أعين الناس، وهذا برهان آخر يثبت أن "الكاريزما" والجاذبية والتأثير لا تولد مع الفرد، بل يصنعها بنفسه. وقد تكون هناك صفات وراثية تساعد على بناء "الكاريزما"، ولكن لن تتكون من دون نجاحات ومجد يتحدث عنه الناس.
إذن "الكاريزما" لا تولد مع الإنسان، بل هو الذي يصنعها بنفسه، كما أنها ليست حكرا على شخصية بعينها أو ظروف بذاتها، بل تعتمد اعتمادا كليا على رغبة الفرد في اكتسابها. وقد بيَّن وليام كوهين ـــ صاحب كتاب فن القيادة ـــ سبع خطوات تمكن الفرد، أي فرد من تكوين "الكاريزما"، يطلق عليها "خطوات كوين السبعة لاكتساب الكاريزما". وهذه الخطوات السبع هي:
1.أظهِر التزامك بأهدافك.
2.ارتدِ ما يتناسب مع دورك.
3.لتكن أحلامك كبيرة.
4.لا تتوقف عن السعي وراء أهدافك.
5.قُمْ بواجباتك.
6.أَحِط نفسك بهالة من الغموض.
7.اتبع الأسلوب غير المباشر.
وبما أن المساحة المخصصة للمقال لا تتسع لمناقشة جميع هذه الخطوات السبع، فسيكون تركيزي على الخطوة الأولى فقط، وهي "أظهر التزامك بأهدافك"، ونؤجل البقية لمناسبات مقبلة ـــ إن شاء الله.
إذا كنت تريد أن يراك الآخرون كشخصية جذابة مؤثرة لها "كاريزما"، فعليك أن تلتزم بتحقيق الأهداف، وألا يبقى هذا الالتزام طي الكتمان، بل لا بد من إظهاره أمام مَن تعمل معهم أو مَن تقودهم. عندما أحرق طارق بن زياد السفن التي أوصلته إلى الأندلس فسَّر المؤرخون هذا الصنيع على أن هذا القائد العبقري كان يقصد بفعلته هذه أن يقطع على أتباعه طريق العودة، فلا يكون أمامهم سوى النصر أو الموت.
ولكن القادة العسكريون لهم رأي آخر، فقد ذكر اللواء متقاعد وليام كوهين ـــ صاحب الخطوات السبع لبناء "الكاريزما"، التي نناقشها هنا ـــ أن قطع الطريق على الأتباع الذي قام به طارق بن زياد ليس هو الهدف الرئيس من حرق السفن، فهذا لن يمنع المقاتلين العرب من الاستسلام للعدو إن أرادوا النجاة بأنفسهم، ويرى كوهين أن السبب الحقيقي المبطن وراء حرق السفن هو رغبة هذا القائد العظيم في إظهار التزامه بالهدف، وهو فتح الأندلس أمام مَن هم معه. فقد اتخذ طارق بن زياد إجراءات غير معهودة لم يعرفها المقاتلون من قبل، ولا أظن أحدا سيفعلها من بعده. كل هذا لإظهار مدى أهمية التزامه بالهدف أمام أتباعه، وهي أول خطوة لبناء "الكاريزما".
وحادثة إحراق السفن هذه تدرس الآن في عدد من الأكاديميات العسكرية الأمريكية مثل الأكاديمية العسكرية في نيويورك وأكاديمية وينتويرث العسكرية في ولاية ميسوري كأروع مثل يمكن أن يضرب لترسيخ أهمية الالتزام بالهدف لبناء "الكاريزما" في أذهان الأتباع والناس والأجيال أيضا.
ولكن يجب أن يعرف كل مَن يريد أن يبني له "كاريزما"، أن الالتزام بالهدف وإظهار هذا الالتزام للناس يحتاجان إلى حماس داخلي وشعور قوي بأهمية الهدف. وهذا الحماس ينبغي أن يكون صادقا، فلا تستطيع أن تظهر للآخرين حماسا مزيفا، فالتمثيل في موضوع كهذا لا ينطلي على مَن حولك ومن يعملون معك حتى لو كانوا أتباعك، وسيكتشفون في أقرب وقت زيف ما تظهره. يقول روجر أليس المستشار الإعلامي لعدد من منظمات تجارية وكثير من الحملات السياسية "إن جوهر الكاريزما" هو إظهارك الحماس الذي بداخلك، والتفاني في تنفيذ أفكارك وتحقيق أهدافك".
ونريد أن نلخص فنقول إن أول خطوة من خطوات بناء "الكاريزما" هي إظهار الأهداف أمام الناس، ومن ثم الالتزام بها بحماس صادق غير مزيف، يخرج من أعماق النفس الإنسانية. وفي مقالات مقبلة ـــ بإذن الله ـــ سنناقش بقية خطوات بناء "الكاريزما".

إنشرها