ما الذي يدفع السويد لإعداد العدة للحرب؟

|
أثار المقال الذي نشرته جريدتنا الغراء الأسبوع الماضي حول موضوع السويد والحرب، اهتماما بارزا. حسب علمي، كان المقال مثار نقاش على شبكات التواصل، وجرى اقتباسه من قبل عدة وسائل ومواقع إعلامية. وما لاحظته عند مروري على تعليقات القراء، أن السؤال البارز كان: لماذا وكيف لدولة مسالمة لم تشهد حربا لأكثر من قرنين تُعِد العُدة للحرب أو مواجهة أزمة خطيرة توازي تبعاتها حربا حامية الوطيس؟ أسئلة مثل هذه لم تراود قُراء الكراس الذي تنبأ عن احتمالية وقوع أحداث عويصة ومنها الحرب ضمن جغرافية السويد. وفي الحقيقة، لم تكن هكذا أسئلة مهمة بالنسبة للمعلقين على التغطية الخبرية من قبل وسائل الإعلام للموقف الجديد للحكومة السويدية. السويد دولة فائقة التطور والتمدن. الناس واعية ومثقفة، وتعرف مثلا عن السياسة الخارجية والعالم حولها ربما أكثر من أفراد أي شعب آخر. التلاميذ في المرحلة المتوسطة يقرأون عن الإسلام وقضية فلسطين وتاريخ وجغرافية منطقة الشرق الأوسط مثلا. والتلاميذ يكتسبون إلماما جيدا حول العالم ومشكلاته، وما تخبئه لهم مثلا الطفرات المستمرة في التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي. ولهذا قلما تلقى انتقادا لتوزيع منشور على كل بيت في السويد يحذر ساكنيه من أن البلد قد يواجه حربا أو أزمة كبيرة، ولا بد من الاستعداد لها منذ الآن. العالم يمر بالعصر الصناعي الرابع، عصر الذكاء الاصطناعي والرقمي، ولكن قراءة السويد تفيد بأن كل طفرة في المضمار التكنولوجي تقرب العالم إلى شفا الأزمات والحروب وليس العكس. العولمة والثورة الرقمية أدتا إلى فوضى، وصرنا نعيش في فضاء بإمكان المرء تشبيهه بفضاء الغابة التي فيها يأكل القوي الضعيف. والحروب اليوم إن اشتعلت فقد لا تنطفئ. وإن وقعت حتى ضمن حدود دولة فقد تصبح عابرة للحدود. والحروب لم تَعُد اليوم مثلما كانت في الماضي، حيث كان يلتقي جيشان أو فريقان، وتنتهي المعركة بمهزوم ومنتصر. الحروب في عصرنا، عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتميز بأنها عابرة للحدود، ولها إمكانية أن تستمر دون توقف. واستمرارية الحروب لم تعُد تنهك أي خصم. منذ عام 2001 وأمريكا وحلفاؤها يحاربون في أفغانستان. ورغم الدماء والدمار، لا يبدو أن الحرب هذه قد أنهكت أمريكا، الدولة الأعظم في العالم. ويبدو أنها لم تنهك خصومها الحفاة في أفغانستان، الذين يحاربون وكأن الحرب بدأت للتو، رغم أن هذا البلد يعد الأفقر في العالم، والأقل نموا وتطورا. والأقوياء يمتلكون التكنولوجيا التي تساعدهم اليوم على شن حرب عابرة للدول، والاتكاء على جيش جرار قوامه الآلة وليس البشر. كلنا شهود للدور الذي تلعبه الطائرات دون طيار في معارك اليوم، ومعها الأسلحة ذات المديات البعيدة والدقة المتناهية. وليس هناك في حقيقة الأمر قانون ملزم نحتكم إليه. حتى القانون الدولي يحتاج تنفيذه إلى عضلات دولة عظمى. أصحاب القوة والعساكر المدججين بالأسلحة الحديثة قد يدخلون حربا دون سابق إنذار، أو يوجهون أسلحتهم ذات المديات البعيدة صوب أي كان. وتصورنا أن العولمة والثورة الرقمية التي رافقتها ستقدم حلولا لها، ولكن يبدو أنها زادتها تعقيدا. المتخاصمون في عصر العولمة - في الغالب - يستمرون في الخصام حتى تركيع غريمهم. اللقاء والحوار صارا من الصعوبة بمكان، رغم أن التكنولوجيا جعلت التلاقي من أيسر الأمور. ولكن دخولنا للتكنولوجيا الرقمية ومن أوسع الأبواب جعلنا أكثر تشبثا بما نحن عليه وأقل تسامحا مع الآخر. نحن اليوم، والفضل للثورة الرقمية، نعرف مَن نحن أكثر من أي وقت في التاريخ، ولا نقبل التنازل عما نحن عليه، لا بل نرفض التفاوض والحوار، وغايتنا سحق كل من ندخل في صراع معه. وبدأ بعض الدول القوية تشهر سلاح الحصار، وهو سلاح فتاك؛ لأن العولمة حصرت بعض الحلقات المالية والاقتصادية والتكنولوجية التي تتحكم في حياتنا العصرية في أيدي عدد محدد من الدول بدلا من توزيع هذه الحلقات بالتساوي. وصار الفارق المادي والاقتصادي والرقمي والتكنولوجي بين الأمم مثل الهوة التي لا يمكن ردمها، وهكذا أخذ الحصار منحى هدفه تركيع الخصم. عصرنا في فوضى، هذا ما توصلت إليه السويد، لا بل يذهب البعض هنا إلى القول إننا نمر بفترة متوحشة ربما لم يشهد التاريخ لها مثيلا. الثورة التكنولوجية الرقمية صارت نعمة ونقمة، والسويد تخشى من سلبياتها. نحن في عالم بدأنا نستبدل العمال فيه بالماكينة الذكية، والجنود والعساكر والعتاد بالآلة والماكينة الذكية. وهذا ما سيجعل من إيجاد الأزمات الخانقة وتدشين حروب مدمرة في أي بقعة من العالم وفي أي وقت أمرا يسيرا وممكنا، وقد يكون من ناحية رأس المال ونموه وتراكمه أمرا مطلوبا. هذه كانت قراءتي للأسباب التي جعلت السويد تقول لشعبها: استعدوا للحرب والأزمات.
إنشرها