هل «نظم المعلومات» تخصصات بلا هوية؟

|

تطرقت من قبل إلى موضوع النظم، وركزت نقاشي على نظم المعلومات، وفي هذا المقال أريد أن أناقش هذا الموضوع من حيث التصنيف؛ أي كيف نصنف نظم المعلومات، تحت أي علم يمكن إدراجه، وحتى نعطي الموضوع حقه، وتتضح لنا الصورة أكثر، نريد في البداية أن نعرف النظام، ثم نتطرق إلى تعريفات وأنواع نظم المعلومات، ثم نناقش علاقة نظم المعلومات بالتقنية.
النظام هو "مجموعة من الأجزاء التي جمعت معا، أو بالأحرى صُممت لخدمة مهمة واحدة، أو لتحقيق هدف بعينه يصعب تحقيقه من دون هذه الأجزاء مجتمعة". فالكون نظام، والمدرسة نظام آخر، والسيارة نظام، والشركة نظام، وهذه الأنظمة قد تدخل كأجزاء في أنظمة أكبر منها، بمعنى أن النظام قد يكون جزءا من نظام أكبر منه.
فلو نظرنا إلى السيارة كنظام، فإن المدخلات مجموعة من المواد ليست بينها علاقة مثل: الوقود، والزيت، والماء تتفاعل كل هذه (عمليات أو تشغيل)، ما يؤدي إلى احتراق الوقود داخل محرك السيارة، فتسير ويخرج منها العادم. ولو نظرنا إلى الجامعة كنظام فإن المدخلات هم طلاب، وأساتذة، ومناهج، وقاعات، وبرامج تدخل كل هذه وتتفاعل عن طريق التدريس والبحث. والمخرجات هم طلاب خريجون وأبحاث منشورة. وكذلك الأمر لكل نظام في هذا الكون، فجسم الإنسان نظام، والكون نظام، وجهاز الحاسب نظام. وتعمل كل هذه الأنظمة كما تعمل السيارة أو الجامعة عن طريق دخول عدد من المدخلات كمواد أولية إلى النظام، ويتم إجراء عدة عمليات "تشغيل" عليها داخل النظام فتنتج مخرجات.
ويمكن تطبيق كل هذا على نظام المعلومات، الذي يعني مجموعة من العناصر المتداخلة، التي تعمل معا لجمع ومعالجة وتخزين وتوزيع المعلومات المتوافرة عن موضوع ما لدعم اتخاذ القرار. وبهذا فإن نظام المعلومات يتكون من أشخاص، وسجلات، وبيانات، وعمليات يدوية وغير يدوية تتم معالجتها لتنتج معلومات.
فالبيانات مواد خام، ومعطيات، وملاحظات موضوعية، في حين أن "المعلومات" بيانات تم تشغيلها ووضعها في سياق له معنى، وأصبحت ذات فائدة بالنسبة لمستخدم معين؛ لذلك فإن "المعلومات" تحمل قيمة مضافة فوق البيانات؛ نتيجة لعملية التحويل أو المعالجة التي تمت عليها، بينما "البيانات" مواد خام تُجمع للحصول على معلومات.
وتهتم نظم المعلومات بتطوير واستخدام وإدارة البنية الأساسية لتقنية المعلومات في المنظمة؛ حيث إن هذا هو عصر المعلومات الذي تلا العصر الصناعي عندما تحولت الشركات من الاعتماد على المنتجات إلى الاعتماد على المعرفة، بمعنى أن العاملين في السوق اليوم يتنافسون في المعلومة عوضا عن المنتج. ولكي تكون الشركة قادرة على المنافسة يجب أن تمتلك بنية وأنظمة أساسية قوية للمعلومات.
وهناك عديد من أنظمة المعلومات في مجال الإدارة والأعمال مثل نظم المعلومات الإدارية، ونظم المعلومات المحاسبية، ونظم دعم القرار، ونظم إدارة قواعد البيانات، ونظم المعلومات التسويقية، هذا إضافة إلى نظم للمعلومات في علوم أخرى كنظم المعلومات الجغرافية، ونظم استرجاع المعلومات "نظام المعلومات الببليوغرافي". ورغم الكم الهائل من أنظمة المعلومات والتعريفات النظرية والفلسفية المتعددة، والأهمية الكبيرة التي حدثت لمفهوم "نظم المعلومات"، إلا أن هذا المفهوم ضل الطريق، ولم يعد يمارس عمله كما كان مخططا له بسبب بعض المعوقات، التي واجهته، ومن أبرزها تزاوج علم النظم مع التقنية، ما أبعد نظم المعلومات عن جوهر عملها. فلقد كان المتخصصون في نظم المعلومات يصممون أنظمتهم بطريقة تقليدية تفيد مستخدمي المعلومات وبطرق غاية في البراعة دون وجود التقنية. وقد ظهر عدد كبير من المتخصصين في هذا المجال قاموا بتخزين وتحليل وجدولة البيانات، كما أن هناك نماذج متعددة ساعدت على تصميم نظم المعلومات. وظل هذا التطور في أنظمة المعلومات حتى دخلت التقنية، فتحول الوضع من الاهتمام بالنظام نفسه وتصميمه إلى الاهتمام بالتقنية ذاتها التي تعد هنا أداة مساعدة ليس إلا، حتى فقدت نظم المعلومات هويتها لدرجة أن المتخصصين في التقنية أصبحوا هم الذين يصممون أنظمة المعلومات، في حين أن وظيفتهم الأساسية تقتصر على الجانب الفني حسب متطلبات النظام.
وقد أكد هذا عدد من منظري نظم المعلومات أمثال هاربر حيث يقول: "دراسة أنظمة المعلومات لا تعني دراسة الحاسبات، إنها تعني دراسة كيف يمكن للمنظمة الاتصال بالمعلومات ومعالجتها حتى تزيد من فاعلية الإدارة والأهداف الأخرى للمنظمة"، ويرى هاربر أيضا أن المنظمات لم تعط أنظمة المعلومات الأهمية اللازمة إلا بعد أن بدأت تأخذ الحاسبات في الحسبان. ونريد أن نخلص من كل هذا فنقول إن الأهمية القصوى أصبحت تنصب على الحاسبات والبرامج دون أنظمة المعلومات.
وأتوقع لو استمر هذا الاهتمام بالتقنية على حساب الأنظمة أن يأتي اليوم ونجد التقني والفني يتدخل في النظريات والنماذج العلمية، يأخذ ويعطي ويناقش ويزيد ويحذف، بل قد يتدخل في العمل التشغيلي للعلوم، فقد يقوم بإعداد القوائم المالية بدلا من المحاسب، وقد يعد بحثا تسويقيا بدلا من رجال التسويق. ما أريد أن أصل إليه أنه يجب توضيح حدود ومعالم تخصص نظم المعلومات عن طريق التفرقة بينه وبين التقنية، فنظم المعلومات تخصص، والتقنية تخصص آخر، ودخلت التقنية أداة مساعدة.

إنشرها