مشاريع النقل من أجل جودة الحياة

|

التحولات الرئيسة التي يشهدها الاقتصاد السعودي ليست مجرد إصلاحات موقف عابر أو لمواجهة ظرف اقتصادي معين، بمعنى أن المشهد الاقتصادي اليوم قد بدأ بالتزامن مع تراجع أسعار النفط إلى مستويات تشكل تهديدا لتمويل الميزانية العامة، لكن لا يمكن القول إن الإصلاحات والتطورات الاقتصادية تسعى فقط لمواجهة هذا التراجع في الأسعار. إذن لو كان الحال كذلك لتوقف الحديث عن هذه التوجهات مع الأسعار الحالية للنفط، التي قد تستمر في الارتفاع في الشهور والسنوات المقبلة. لكن، رغم عودة الأسعار، فإن العمل جار على قدم وساق في خطط تطوير الاقتصاد، فالحراك الاقتصادي الآن في المملكة هو تحول في المفهوم والتصورات، تحول لا تراجع عنه، تحول نحو إدارة الاقتصاد من خلال قطاع خاص متحفز ومتنافس وقادر على إيجاد قيمة اقتصادية حقيقة، قادر على إيجاد فرص وظيفية، كما أنه قادر على الاستدامة بذاته ومنح المجتمع فرصة لتحسين جودة الحياة. وهناك أدلة كثيرة على أن التحول الاقتصادي في المملكة هو تحول مستهدف بذاته، ولعل أبرز ما يمكن أن يستدل به هو التحولات في مفاهيم النقل في المملكة، والاهتمام بدوره الاقتصادي أكثر من مجرد كونه بنية أساسية فقط.
فعلى هامش منتدى منطقة مكة المكرمة الاقتصادي في جدة مطلع الأسبوع الماضي، تحدث وزير النقل عن التصورات الجديدة والمفاهيم الحديثة للدور الاقتصادي الذي سيلعبه النقل في المملكة، فصناعة النقل ستتجاوز مرحلة البنية الأساسية، كما أشرنا، وستتجه إلى بناء منظومة متكاملة من النقل تعزز بعضها بعضا، بين الموانئ والمطارات والمدن الاقتصادية والسياحية، بحيث إن النمو الذي ستشهده المملكة في أي مجال سيعزز النمو والطلب في قطاع آخر، وهذا كله سيصب بشكل نوعي في تحقيق أهداف "رؤية 2030"، لتصبح منصة لوجستية مميزة تربط بين القارات الثلاث، وخدمة لضيوف الرحمن والارتقاء بجودة الحياة في مدن المملكة. ويبرز التوجه الجديد للاقتصاد السعودي بوضوح مع برامج النقل، من حيث المشاركة بين القطاعين العام والخاص، فيتولى القطاع الخاص فيها بناء وإنشاء وإدارة جانب كبير من أدوات ووسائل النقل بدءا من الحافلات وسيارات الأجرة وخطوط السكة الحديدية وربطها بالمطارات والموانئ، بينما تضطلع الحكومة بالدور التنظيمي.
وبدءا من المطارات، ستشهد المملكة قريبا بدء الخطة التشغيلية لمطار الملك عبد العزيز الدولي القادر على استيعاب 60 مليون مسافر سنويا، وهو يمثل مطارا عصريا متكامل الخدمات، يرتبط بأحدث أنواع القطارات وأكثرها سرعة في الشرق الأوسط في محطات قطار الحرمين العصرية والحديثة، والقطار يستوعب 20 ألف مسافر في الساعة، قدوما ومغادرة من المحطة عبر عشرة أرصفة، كل ذلك سيصب في هدف تعزيز جودة الحياة مع الإجراءات الميسرة، التي تتيح للمسافر خلال بضع دقائق للوصول إلى مبنى المطار، والدخول إلى محطة قطار الحرمين متوجها إلى أطهر بقاع الأرض، وكل ذلك خلال نصف ساعة. وهناك في مكة والمدينة سيجد المسافر الحافلات المصنوعة محليا، وهذا هو الهدف الثالث الذي أعلن عنه وزير النقل وله كثير من الأبعاد، من بينها توطين صناعة الحافلات، ما يوجد فرص عمل وفرصا استثمارية كبيرة، وعوائد مستدامة، فالحافلات اليوم تمثل عمودا فقريا للنقل الحديث، فبخلاف النقل المعروف للمدارس والعمال، هناك النقل السياحي والنقل في المطارات وفي المدن الاقتصادية. كما سيتم إطلاق مشروع سيارة "أجرة الحرم" ذات الهوية المميزة للمنطقة المركزية في مكة المكرمة، لتخدم الحجاج والمعتمرين، حيث إنها ستكون مزودة بشاشات لجميع اللغات.
إذن، نحن أمام مشهد اقتصادي متكامل من منظومة نقل متراصة بشكل صحيح، تعطي انطباعا عاما عن المملكة والحياة العصرية فيها، كما أن كل هذه المنظومة سيتم بناؤها وتشغيلها من خلال القطاع الخاص، الذي ستعمل الحكومة على توطين جميع عناصر العمل فيه.

إنشرها