ما بعد سور الصين العظيم

|
منذ نحو ثلاثة عقود والصين تزحف ما بعد سورها العظيم. "مصنوع في الصين"، عبارة قد لا يخلو منها بيت في الغرب الصناعي اليوم. في الدول الإسكندنافية، مثلا، ترى العبارة الشهيرة تلاصق بضائع كانت سابقا حكرا على دول شمال أوروبا، المنطقة التي تعد حاضنة لأرقى الحلقات التكنولوجية في العالم. ما يدهش هو أن العلامة التجارية إسكندنافية بيد أن البضاعة مصنوعة في الصين، وتباع في أسواق هذه الدول. الشركات الغربية التي تقاطرت إلى الصين كان عليها أن تتأقلم مع بيئة الاستثمار في هذا البلد وشروطها، ويأتي في مقدمتها توطين المعرفة والتكنولوجيا، وتسليم مفاتيح أكثر الحلقات الصناعية والمعرفية والتكنولوجية تطورا إلى العاملين من الصينيين. والخلاف التجاري الذي يكاد يتحول إلى حرب تجارية بين الصين والولايات المتحدة أساسه حصول الصين ــــ بصورة غير شرعية حسب واشنطن ـــ على براءات الاختراع الأمريكية، ومن ثم استخدامها للدخول في طور التصميم الصناعي. في الحقيقة الصين لم تحصل على التكنولوجيا الحديثة، ومنها تكنولوجيا الإنترنت، من خلال القرصنة أو السرقة. البيئة الحاضنة للاستثمار تشترط على المستثمر الغربي أن يتقاسم براءة الاختراع، وآخر ما توصلت مراكز البحث والتطوير مع الشركات الصينية إن أرادت الاستثمار أو الوجود في سوقها الكبيرة. وطبقت الصين المعايير ذاتها عند استثمارها في الدول الغربية. من النادر إن دخلت الصين في عملية شراكة أو شراء للشركات الغربية والأمريكية دون أن يكون شرط الحصول على التقنية ومن ثم نقلها وتوطينها في الصين أحد شروطها. عندما قررت الصين شراء شركة فولفو السويدية المعروفة لإنقاذها من أزمة مالية، كانت مسألة نقل معامل بأكملها وكما هي مع كبار مهندسيها إلى الصين شرطا لم تقبل التنازل عنه. توطين الصناعة - وفي أكثر الحلقات تطورا - مكن الصين من تأسيس شركات تحمل علامات تجارية وطنية، وتنافس مثيلاتها الغربية، وفي بعض الحلقات تتقدمها بأشواط. وسرعان ما أزاحت هذه الشركات ـــ طبعا بمساعدة الدولة ـــ نظيراتها الغربية من سيطرتها على الأسواق الصينية الهائلة. وقد تكون الصين اليوم البلد الوحيد في العالم الذي تحتل فيه الصناعة الوطنية القدح المعلى في تلبيتها للاستهلاك المحلي. واليوم، الشركات الصينية تلعب خارج سور الصين، وبمرور الزمن أخذ العالم يلاحظ أنه تقريبا لكل شركة غربية كبيرة ذات علامة تجارية مميزة ومعروفة على مستوى الدنيا هناك ما يقابلها في الصين. وفي حلقات تكنولوجية محددة، وعلى الخصوص الرقمية "الخوارزمية" منها، لم تقبل الصين ظهور أي منافس غربي لها في سوقها الكبيرة. أدركت الصين أن مستقبل العالم يستند إلى التطورات المذهلة في الثورة الصناعية الرقمية "الإنترنت" والذكاء الاصطناعي، وهذا كان حافزا لها أولا لتعمل ما في وسعها للحصول على التقنية والمعرفة التي تقود هذه الثورة، ومن ثم بناء شركات تقدم خدماتها. وأدركت الصين أن الثورة الصناعية الرقمية تختلف جذريا عن الثورة الصناعية التقليدية، وهي تشاهد كيف أن شركة إنترنت أمريكية مثلا، تصل قيمتها السوقية إلى مئات المليارات من الدولارات في غضون عقدين من الزمن. ومن ثم، فإن الصين أدركت أن هذه الشركات تختلف في تأثيرها في المجتمع وثقافته ومساره ومسيرته. ولهذا، صارت الصين اليوم البلد الوحيد في الدنيا الذي لن تصادف فيه علامات تجارية أو حتى وجودا للشركات العالمية الرقمية، التي تقريبا صار كل شخص خارج الصين عميلا وزبونا لها. حاول الاتصال والتواصل مع الإنترنت في الصين من خلال أي جهاز رقمي، وسترى أن الشبكة العنكبوتية هناك لا تشبه ما تراه في أغلب الدول في العالم. الشركات التي تشكل دعامة الإنترنت وعصب عملها وتشغيلها مثل "نتفليكس"، "فيسبوك"، "جوجل"، "أمازون"، "تويتر"، "يوتيوب"، وغيرها من أمهات الشركات الرقمية غير متوافرة في الصين، حيث تم استبدالها بنظيرات صينية وطنية مستقلة عنها تماما. في الغرب، يقولون إن النظام غير الديمقراطي الذي يحكم الصين يفرض رقابة صارمة على المعلومات إلى درجة منعه الشركات الأجنبية الرقمية الغربية التي تختص بتكنولوجيا المعلومات من العمل في الصين. وفضلت الصين، حسب رأيهم، توطين الصناعة الرقمية وشركات تكنولوجيا المعلومات، كي تتمكن من مراقبة التواصل، وتبادل المعلومات، والتدخل فيها عند الحاجة ولأغراض أمنية بحتة. مهما كان موقفنا إزاء الأقوال الغربية وموقف الحكومة في بكين، فإن شركات الإنترنت الوطنية الصينية بدأت تقفز فوق سور الصين العظيم، وهي في طريقها إلى غزو الدنيا، بالضبط كما هو الأمر مع صناعاتها التقليدية. أما كيف للشركات الصينية الرقمية الناشئة والفتية منافسة مثيلاتها الأمريكية العملاقة، ومنها ما أخذت قيمتها السوقية تلامس التريليون دولار، فهذا نتركه لرسالة الأسبوع المقبل.
إنشرها