"لا صفقة تسليح بدون محتوى محلي". كلمات واضحة ومباشرة أطلقها عراب "رؤية السعودية 2030" في أول ظهور إعلامي متلفز قبل ثلاث سنوات، وتتفعل اليوم واقعا حيّا في سياتل الأمريكية بحضوره الشخصي لتوقيع اتفاقية الشركة السعودية للصناعات العسكرية وشركة بوينج الأمريكية، بهدف توطين أكثر من 55 في المائة من صيانة الطائرات الحربية، لتخطو السعودية الفتية خطوات جديدة في مفهوم الصفقات العسكرية خصوصا والصناعية عموما. إذ لم يعد الأمر يتعلق باستهلاك طارئ لمنتجات الآخرين التقنية، بل نقل مقنن للتقنية وما تتضمنه من معرفة، يرافق ذلك تعلم وتدريب وطني فضلا عن حقوق الملكية التي تتيح القدرة على الإنتاج والبيع مستقبلا.
مفهوم جديد لإدارة المعرفة وترشيد الانفاق، تواصل الرؤية السعودية بقيادة مهندسها الأمير محمد بن سلمان تحقيقه على أرض الواقع يوما بعد آخر وجولة بعد أخرى. فالعمل الجاد والمثمر لا يتوقف على مكان أو زمان، وهو الأمر الذي يأخذه الأمير الشاب بمنتهى الجدية البادية على برنامج زياراته المدروسة مشروعا تلو الآخر، واتفاقية إلى جانب أخرى.
فمنذ إعلان الرؤية يلحظ المراقب تتابعا ملموسا في العمل على تفعيلها وتنفيذها، بدءا بالقرارات الملكية التي أعادت ترتيب هيكلة الوزارات ومسمياتها وصولا لإعلان برنامج التحول الوطني 2020 في مؤتمرات صحافية علنية. استعرض الوزراء المعنيون من خلالها استراتيجية وزارتهم وأهدافها، في نقاط واضحة ونسب وأرقام محددة يمكن قياسها وتقييمها مستقبلا، إذ تستهدف خطة التحول الوطني زيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية إلى 530 مليار ريال "141 مليار دولار" بحلول عام 2020 كما تستهدف توفير 450 ألف وظيفة غير حكومية للمواطنين، كما تستهدف المملكة خفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 9 في المائة من 11.6 في المائة في السنوات الخمس المقبلة.
وهي الأرقام ذاتها التي تحملها السعودية اليوم في زيارتها للولايات المتحدة الأمريكية، لتقديمها بشفافية عالية أمام المستثمر العالمي ليكون شريكا استراتيجيا في هذه الرؤية المحلية بآفاقها وتطلعاتها العالمية، وفقا لضوابط استثمارية راعت وتراعي مصلحة الفرد المواطن، من خلال إيجاد فرص وظيفية واستثمارية أكبر عبر هذه الشراكات العالمية التي تعمل على تمكين الخبرات الأجنبية وفقا للرؤى والمصالح الوطنية.
اهتمام سياسي واقتصادي بأبعاد الرؤية السعودية وتطلعاتها تمثل في اهتمام الرئيس الأمريكي شخصيا وتكليفه الفريق الاقتصادي له في وقت سابق بتقديم تقرير عن "رؤية المملكة 2030"، وبرنامج 2020، إذ إن المسؤولين الأمريكيين من الاقتصاديين والسياسيين وجدوا في رؤية المملكة استراتيجية واضحة وأهدافا محدّدة، مشيدين بما قدمت الرؤية من الإفصاح والشفافية في برامجها التنفيذية على مدى 15 عاما مقبلة، كما أن التنفيذيين الأمريكيين ركزوا في لقاءاتهم بولي العهد على موضوع الكوادر البشرية، الذي اهتمت به "رؤية المملكة 2030"، خصوصا أن لدى المملكة الشباب والفتيات الأكفاء الذين سيساعدون على تحقيق الرؤية بكل جدارة.
يبقى أن من مزايا هذه الرؤية الطموحة للمملكة وما يزيد من وثوقيتها ومصداقيتها لدى الآخرين أنها لم تضع لنفسها أطرا سياسية أو اقتصادية ضيقة، وأخذت في الاعتبار البعدين الثقافي والاجتماعي بالتوازي مع هذا العمل الدؤوب لتفعيل برامج التحول وتمكينها.


