هل لا نزال نحلم بمدرسة المستقبل؟

|

في مستهل القرن الـ21 وتحديدا في عام 1423 الموافق 2002 عقدنا في كلية التربية في جامعة الملك سعود ندوة حملت عنوان "مدرسة المستقبل"، وكان الهدف منها تحريك الساحة التربوية، والتعليمية من خلال البحوث والدراسات لوضع تصور حديث للمدرسة في المملكة يتماشى مع التطورات التقنية، والثقافية، والاجتماعية التي يمر بها العالم، ومن ضمنه المملكة، إذ لسنا في جزيرة معزولة، فالتأثير الخارجي يتحقق شئنا، أم أبينا، حتى يكون التأثير بإرادتنا، وتوجيهنا كان لا بد من تصور حديث للمدرسة يأخذ في اعتباره المستجدات كافة.
قدم في الندوة 23 بحثا، قدمها أساتذة جامعيون، وأفراد يعملون في التعليم العام، ما أتاح الفرصة لتلاقح النظرية مع حقائق الميدان لإثراء النقاش، والحوار بين المشاركين للإسهام في نقل الهم التربوي، والتعليمي إلى مستوى التنفيذ، حتى نضمن لنا مكانا متقدما على الصعيد الدولي، وبالتأمل في بحوث الندوة نجد أنها تناولت معظم ما يجب الاهتمام به عند تطوير المدرسة، فالمدرسة الإلكترونية دراسة في المفاهيم والنماذج، والعصر الرقمي والتعليم، والتكنولوجيا ومدرسة المستقبل، والبيئة التعليمية لمدرسة المستقبل، والاتجاهات والتطورات الحديثة في خدمة التعليم الإلكتروني، ودور المعلم والآباء في مدرسة المستقبل، ومناهج مدرسة المستقبل، إلى الإدارة والقيادة الفعالة في مدرسة المستقبل، كل هذه وغيرها تم تناوله في بحوث الندوة.
كما أسلفت كان الهدف تحريك الساحة، ولفت نظر القائمين على التعليم إلى ضرورة المسارعة في طرح المبادرات الجادة بشأن التعليم، حتى لا نجد أنفسنا متخلفين عن الركب العالمي لأننا كنا في الكلية نرى التغيرات تمر بسرعة فائقة، وحالة الجمود في مدرستنا تعوقنا عن التنافس اقتصاديا، ومعرفيا، وتقنيا، وصناعيا، ومع أن بحوث، ومداولات الندوة، وتوصياتها وضعت على الطاولة للجميع إلا أننا لم نلمس ذلك الحماس للأخذ بما خرجت به الندوة.
خلال الأيام الماضية هز الساحة الأمريكية، وتناولته وسائل الإعلام العالمية خبر إقدام طالب مرحلة ثانوية أمريكي على مقتل 17 طالبا من زملائه قبل فصله من المدرسة، وقد حدث 17 حادث إطلاق نار خلال شهر ونصف الشهر من عام 2018، ليشكل ما شهدته المدارس الأمريكية 200 حادث إطلاق نار خلال 11 شهرا. أثار الحادث ردود فعل وجدلا بين التربويين، وبين السياسيين بشأن قانون حمل السلاح، ومع فداحة الخسارة البشرية إلا أن الجدل ليس بجديد، بل هو لعبة السياسيين الأمريكيين لكسب لوبي تجار السلاح المدافعين عن حرية امتلاك السلاح، وانتشاره بشكل يسهل ارتكاب الجرائم.
لعل أبرز ما يلفت الانتباه بشأن ردود الفعل نحو الحدث محاولة البعض إيجاد المبررات العقلية والاضطراب النفسي الذي تسببت في مقتل هذا العدد الكبير من الأبرياء، في محاولة لصرف النظر عن قانون حمل السلاح، حتى إن الرئيس ترمب أشار إلى هذا الشيء، وطرح حلا لمواجهة ظاهرة القتل المتعمد في المدارس الأمريكية، وذلك بتسليح المعلمين لمواجهة من يفكر بالاعتداء داخل المدرسة. تأملت فيما تفتق عنه عقل ترمب، وتصورت المعلمين، وهم يمتشقون الأسلحة في الفصول الدراسية، وميادين المدرسة لمواجهة أي اعتداء، وتساءلت هل الحل يتمثل في تحويل المدرسة إلى ساحة حرب تسيل فيها الدماء، ويحدث الرعب فيها لدى الطلاب، أم أن الانتخابات النصفية والرئاسية القادمة هي ما يهمه وحزبه؟!
ما من شك أن الحدث، وما سبقه من أحداث يثير كثيرا من التساؤلات بشأن دور التربية بشكل عام، والمدرسة بشكل خاص، فهل أمريكا بلد الإبداع عجز منظروها التربويون والاجتماعيون عن إيجاد الحلول للقضاء على هذه الظاهرة بعيدا عن مماحكات السياسيين وانحيازهم للوبي السلاح؟!
أكرر دائما أن الهدف النهائي للتربية والتعليم إيجاد المواطن الصالح في مستوى معرفته ومهاراته، واتجاهاته نحو وطنه، ومجتمعه، وإيمانه بربه، وعلاقاته بالآخرين، والهمة للمشاركة في تطوير وطنه، والنهوض به نحو آفاق المستقبل. إن مقياس جودة التعليم يظهر في السلوك العام المنضبط، المتحلي بالقيم، والالتزام بالنظام، والاستقامة، كما أن الجودة تتحقق شواهدها بالإنتاج العام للمجتمع في الغذاء، والدواء، والتصنيع، وكل احتياجات المجتمع، فهل نجحت المدرسة الأمريكية في إيجاد المخترع، والمحب للعمل الجاد، لكنها فشلت في إيجاد الفرد ذي النزعة الإنسانية وكبح جماح العدوان على الآخرين؟! مجرد سؤال.

إنشرها