الحرب التجارية تلوح

|

مضت الأمور على الساحة التجارية العالمية بسلاسة في العقد الحالي، باستثناء بعض الإجراءات التي لم تصل إلى مستوى المواجهة التجارية العنيفة. ومثل هذه الإجراءات موجودة بصور مختلفة، إلا أن الاتفاقات الثنائية أو تلك القائمة في ظل منظمة التجارة العالمية، تسهم في تخفيف التوترات جراء الإجراءات غير المرغوب فيها من هذا الطرف أو ذاك. والعالم يحتاج بالفعل إلى مساحة تجارية مرنة وسلسة يعمها التعاون، دون المساس بالمصالح الوطنية بالطبع. وفي أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت عام 2008 بات التعاون التجاري مطلوبا أكثر من أي وقت مضى، أو لنقل بات عدم التطرف التجاري بالإجراءات مطلوبا، وأن تكون الخلافات التي قد تظهر ضمن أطر الحل الهادئة.
منظمة التجارة العالمية أطلقت أخيرا تحذيرات من مغبة نشوب حرب تجارية، ولاسيما في أعقاب قيام الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية عقابية على بعض الدول، منها الصين، مع ضرورة الانتباه إلى الردود الغاضبة لهذه البلدان على الخطوة الأمريكية. والحق، أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تختلف كثيرا عن الإدارات الأمريكية السابقة في هذا المجال. صحيح أن هذه الإدارات لم تفرط في مصالحها التجارية الوطنية، لكن الصحيح أيضا كانت حريصة على تجنب نشوب حرب تجارية ستنعكس على الساحة العالمية كلها. فالخلافات التجارية بين الصين والولايات المتحدة ستكون لها روابط عالمية كبيرة، ما يوسع دائرة الحرب. أي أن حروب الدول الكبرى التجارية لن تنحصر ضمن نطاق هذه الدول.
الحرب التجارية ستؤثر بصورة خطيرة في النمو في كل مكان، خصوصا في البلدان النامية التي تعتمد على التصدير. نحن نعلم أن هناك امتيازات تجارية لبعض البلدان النامية في إطار تشجيع النمو فيها، لكن في ظل حرب تجارية قد تنشب ستنتهي هذه الامتيازات تلقائيا، وسيتم تدمير كل البناء التجاري التشريعي والقانوني العالمي، ناهيك عن الآثار النفسية التي ستتركها مثل هذه الحرب على الساحة العالمية بشكل عام، وعلى العلاقات الثنائية بين البلدان نفسها. لا يمكن حل خلافات تجارية بين بلدين عبر فرض رسوم فورية قاسية من هذا الطرف على ذاك الطرف، لا بد أن يسبق هذا حوار بحيث يمكن أن تشكل منظمة التجارة العالمية نفسها المظلة الحقيقية لحل الخلافات.
المشكلة الحالية لا تختص بالصين والولايات المتحدة. فحتى حلفاء واشنطن الأوروبيون أعلنوا رسميا أنهم سيتخذون إجراءات عقابية تجارية ضد الولايات المتحدة إذا ما قامت هذه الأخيرة بفرض رسوم جمركية على البضائع الأوروبية. وهذا يعني أن واشنطن نشرت الرعب حتى بين حلفائها! ومن هنا فإن الحرب التجارية التي قد تنفجر يمكن أن تكون مدمرة بالفعل. فإذا كان الحلفاء يتناوشون على الساحة التجارية، فكيف الحال ببقية دول العالم؟ لا أحد يرى مستقبلا مشرقا للتجارة العالمية، ويعتقد للحظة أن فرض الرسوم الجمركية العالية فجأة يمكن أن يحمي هذا المستقبل. كما أن الحمائية التي انتشرت في الماضي أيضا أسهمت في مشكلات تجارية كبيرة، يمكن أن تسهم هي الأخرى في تسريع وتيرة الحرب التجارية المشار إليها، إذا ما بدأت الدول باتخاذها كسياسة تجارية!
لا بد من التفاهم، ولاسيما بين البلدان المؤثرة في الساحة العالمية، لأن العالم لا يمكنه تحمل أزمة كبرى أخرى، على الأقل في هذا الزمن.

إنشرها