هل من مراجعة صادقة للبطالة؟

|

يمثل العمل حاجة من الحاجات الرئيسة التي لا بد منها ليعيش الفرد حياة طبيعية، ويشعر المرء بالفخر والزهو، كما يشعره بتقدير الذات والاحترام، فالعمل يشعره بالنجاح، وهذه حاجات نفسية لا يستغني عنها الناس، فبدون عمل يشعر الفرد بالملل، والتعب النفسي، والتعاسة، كما تؤلمه نظرات أهله، وأفراد المجتمع المحيطين به، الذين يربطون العمل بالنجاح، والفشل. في متابعتي لما يكتب في الصحف، ووسائل التواصل الاجتماعي بشأن البطالة، وأثرها فيمن يعانون منها ألمس ألما، وحسرة، وضيقة لدى من لم يوفقوا في الحصول على عمل، خاصة من حملة المؤهلات الجامعية، الذين كانوا يؤملون في خدمة وطنهم، وتأسيس عائلات، مثلهم مثل باقي أفراد المجتمع.
في نشرة سوق العمل الصادرة من الهيئة العامة للإحصاء للربع الثالث لعام 2017 ورد أن نسبة البطالة بلغت 12.8 في المائة‏ للأعمار بين 15 سنة فأكثر، لتشكل هذه النسبة 1231549 فردا، يمثل الذكور منهم 190822، والإناث يمثلن 1040727، وبلغت نسبة الفئة العمرية من "25 ــ 29" 31.3 في المائة، كما بلغت نسبة الحاملين المؤهلات الجامعية 45.8 في المائة، وبالتأمل في هذه البيانات يستنتج المرء أن خللا ما يوجد تسبب في ارتفاع هذه النسبة، خلل ذو طبيعة تراكمية، ولم يحدث فجأة، وتعود أسباب الخلل إلى عدة أمور منها التنظيمي، المتمثل في الأنظمة، والقرارات الحاكمة لسوق العمل الحكومية والخاصة، ومما يلفت النظر في التقرير أن التأشيرات الصادرة لنفس الفترة بلغت ما يزيد على نصف المليون تأشيرة منها 22 في المائة‏ للقطاع الحكومي، أي ما يزيد على 110000 وظيفة، وهذا العدد من المتعاقدين للقطاع الحكومي يلفت النظر، خاصة مع وجود نسبة عالية من العاطلين السعوديين، والمؤهلين تأهيلا جامعيا.
وحري بالجهات المعنية التوقف عند هذه المعلومة، والتأكد من إذا كانت هناك حاجة ماسة إليهم، وهل يوجد من السعوديين من يحل محلهم، أم لا، كما أن المادة 77 من نظام العمل تسببت في فصل أعداد كثيرة من موظفي القطاع الخاص، ما أسهم في زيادة نسبة البطالة، ولا تزال هذه المادة محل إشكال استوجب دراستها من قبل مجلس الشورى، كما ورد في الصحف. قد يكون السبب في التعاقد الحكومي مبررا بعدم وجود من لديه التأهيل، والخبرة الكافية لدى السعوديين العاطلين، إلا أن هذا التبرير ليس كافيا، بل لا بد من مراجعة البيانات، حتى لا يكون عدم التأهيل مبررا، ومسوغا للتعاقد على حساب المواطن.
جهات التأهيل، كالجامعات، والمعاهد العليا، وكليات التقنية بحاجة إلى مراجعة برامجها، والرفع من مستوى جودتها، ليكون الخريج على مستوى التنافسية العالية التي تؤهله لفرض نفسه في سوق العمل، وحتى لا يكون ضعف المستوى حجة لمن يفضل المتعاقد مع غيره، المراجعة تشمل محتوى البرامج، ومناسبتها لمتطلبات العصر، إضافة إلى أداء القائمين على البرامج التدريبية، والتعليمية، ومما سمعته من أحد المواطنين أنه تعين في إحدى الجهات الحكومية، كموظف تحت التدريب، إلا أنه - كما ذكر - كان رئيسه أجنبيا، وكان يحرمه من الاطلاع على أي معلومة تمكنه من إتقان العمل، بل يقول إنه أمضى ثلاث سنوات حضورا لمكان العمل، دون أن يقوم بأي عمل، أو جهد، نظرا لتسلط رئيسه، وحرمانه من اكتساب الخبرة.
الإنسان السعودي ليس كسولا في طبعه، ولا يقل طموحا، ورغبة في تطوير نفسه، وكما هو معروف الآباء، والأجداد شرقوا، وغربوا بحثا عن لقمة العيش، وتحدوا الظروف، والصعوبات من أجل ذلك، إلا أنه، بهدف السعي للبحث عن حلول تقلل من البطالة، إن لم يكن تصفيرها، لا بد من الإقرار بأن العقود الماضية، خاصة مع بداية الطفرة الأولى أكسبتنا أفرادا، ومؤسسات رسمية أنماطا سلوكية يغلب عليها طابع الإسراف، كما أن الاهتمام بالمظاهر، والتراخي عن الأشياء الجوهرية له دور في البطالة، إذ أصبحت الوظيفة الحكومية هدفا للشباب، وبابا للهرب من الأعمال الفنية، رغم أن الأخيرة ذات مردود عال يفوق الوظيفة الحكومية.
نسبة البطالة العالية في المملكة لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي الجيد، ولا مع برامج التنمية المتعددة، والمشاريع الضخمة المنفذة، فلا يمكن استيعاب وجود مهندسين سعوديين عاطلين عن العمل، في حين أن مشاريع كثيرة يعمل فيها مهندسون متعاقدون.

إنشرها