الإيرادات العامة تعزز الثقة بالاقتصاد

|

تمر المملكة بمرحلة إصلاحات شاملة تمس جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتقودنا في ذلك "رؤية المملكة 2030" منيرة طريق هذه الإصلاحات، ومع ذلك فإن الإصلاحات الاقتصادية تأخذ حيزا كبيرا من التغطية الإعلامية هذه الأيام نظرا لأنها أحد مرتكزات الإصلاح الشامل وستكون لها انعكاسات على خطط الإصلاح الاجتماعي والأمني. فالحديث اليوم عن الإيرادات الحكومية وعن العجز والموازنة العامة، وما تضمنته هذه الموازنة من ضرائب جديدة على الاقتصاد السعودي، مثل ضريبة القيمة المضافة، إضافة إلى إصلاح الدعم وإعادة توجيهه من خلال «حساب المواطن»، وفرض رسوم متنوعة على العمالة الأجنبية. فمن المعلوم بالضرورة أن إحدى مشكلات الاقتصاد السعودي كانت الاعتماد على النفط في تمويل الموازنة بأكثر من 90 في المائة، وهذا أثر كثيرا في التنمية، فمع تقلبات الأسعار أصبح التخطيط الاقتصادي يتغير وفقا لذلك، فيزدهر الاقتصاد وتنهض التنمية والمشاريع كلما تحركت الأسعار ثم نعود للتباطؤ وللركود كلما تراجعت، وأصبحت سمة تقديرات إيرادات الموازنة هي صعوبة صدق التنبؤ. وتبعا لذلك أصبحت خططنا أشبه بردات فعل لهذه التغييرات أكثر من كونها خططا تتسم بالاستدامة، فينشط العمل مع ارتفاع الإيرادات ولو في منتصف العام المالي أو يقف العمل مع تأخر التحصيل. من هذه المقدمة تتضح أهمية ضبط المالية العامة للدولة، ليس من حيث الرقابة والحد من الفساد بل المهم هو ضبط إيقاعها والاستدامة في النمو والقدرة على التنبؤ بمعايير صحيحة قابلة للتحقيق والتحقق، فالثقة بالتقديرات محك أساسي في التنمية الاقتصادية واستدامة الخطط، والتغلب على التقلبات في التنبؤ ينمي الثقة بالاقتصاد ويعزز من التكيف مع ظواهره المختلفة سواء من قبل القطاعات الاستثمارية المحلية أو الأجنبية أو حتى من قبل الأفراد وقراراتهم بالادخار أو الاستهلاك.
عندما تضع الحكومة السعودية تصورات واضحة حول إيراداتها لأكثر من ست سنوات فإن هذا يمثل تحديا كبيرا في ظل اقتصاد يعتمد على تقلبات سوق النفط، لكن المملكة اليوم ليست هي المملكة قبل ثلاث سنوات أي قبل تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، وقبل بدء إصلاحاته الاقتصادية. فقد قدرت الحكومة السعودية إيراداتها بنحو 1.14 تريليون ريال بحلول عام 2023، وذلك بعد انتهاء الإصلاحات الاقتصادية المنصوص عليها في برنامج التوازن المالي المحدث، وستنمو الإيرادات بمتوسط سنوي 10.6 في المائة، ومتوسط زيادة سنوية في الإيرادات بقيمة 74 مليار ريال خلال السنوات الست المقبلة. ووفقا لتحليل وحدة التقارير الاقتصادية في صحيفة "الاقتصادية"، فإن الإيرادات الحكومية سترتفع بنسبة 64 في المائة، بما يعادل 442 مليار ريال، خلال ست سنوات، من 2018 إلى 2023، حيث بلغت الإيرادات الحكومية 696 مليار ريال في عام 2017. وبالطبع فإن مثل هذه الشفافية الكبيرة في الإعلان عن حجم الإيرادات المخططة لم يكن ممارسا من قبل، كما أنه يمثل تحديا كبيرا كما أشرنا، لكن مع الفهم العميق لمعنى الإصلاحات وجوهرها، نعرف أن المقصود هو الاستدامة الاقتصادية وبث رسائل اقتصادية تتسم بالمصداقية وأيضا تمنح الثقة للمجتمع الاقتصادي ما يمكنه من وضع تصوراته وخططه، فهذه الإيرادات لن تكون معتمدة جوهريا على النفط بل سترتكز على الإيرادات غير النفطية، حيث حققت الموازنة العامة لعام 2018 نسبة تقترب من 50 في المائة من الإيرادات من مصادر غير نفطية، ولهذا فإن هذه التقديرات تتسم بالاستقرار والقابلية للتحقق. فالإصلاحات المقرة في برنامج تحقيق التوازن المالي الذي تم إطلاقه في كانون الأول (ديسمبر) 2016 تتضمن نسب قيم واضحة لرسوم التأشيرات، ورسوم الخدمات البلدية، والمقابل المالي على الوافدين، وتطبيق الضرائب.

إنشرها