كان لأسواق الفحم، وتوافر المحركات البخارية، أن شجعا على بناء القنوات وسكك الحديد والقاطرات التي تسير على سكة الحديد لنقل الفحم. في عام 1803، تم بناء أول مركبة جر بخارية ذاتية الحركة خاصة بمناجم الفحم سميت قاطرات، وذلك باستخدام محركات بخارية جديدة عالية الضغط، وسكك من الحديد المطاوع، وكانت الأساس للسكك الحديدية الأولى 1825. وقد ساعد تطور نظام السكك الحديدية على تطور التكنولوجيا، فقد أدى التلغراف بدوره إلى ظهور الهاتف فيما بعد.
كان لاستخدام الفحم، كفحم الكوك، لإنتاج الحديد أن غيّر تلك الصناعة، وأدى في النهاية في القرن التالي إلى إنتاج كميات كبيرة من الصلب "1680" وبناء كل من السكك والسفن والجسور والأنابيب والأسلاك والكابلات، وغيرها من الصلب. وقد وفّر الفحم درجة حرارة عالية لإنتاج أسمنت بورتلاند، الذي شكّل الأساس لصناعة البناء. كان الفحم يحرق في محركات بخارية كبيرة لتوليد طاقة الكهرباء في الأماكن التي لا تتوافر فيها طاقة الماء، وهو ما مكن إديسون من اختراع أول دينامو فعال، وبالتالي أدى إلى أول نظام للطاقة الكهربائية. لقد مكن توافر الطاقة الكهربائية بكميات كبيرة الأفران الكهربائية من إنتاج سبائك الصلب وغيرها من المواد التي تتطلب حرارة عالية جدا، وفتح التحليل الكهربي الطريق أمام الإنتاج الاقتصادي من الألمنيوم والكلورين وغيرها من المواد الكيماوية. وساعد الألمنيوم بدوره على تطوير صناعة الطيران وصناعة الطائرات في الوقت الحاضر، كما أنه لا تزال صناعة الأسمنت العالمية، وصناعة الصلب، وصناعة الطاقة الكهربائية، تعتمد بشكل كبير على الفحم والغاز الطبيعي.
استخدم الفحم باعتباره "غاز المدينة" لإنارة الشوارع والإضاءة المنزلية في القرن الـ19، ثم تم استبداله بالغاز الطبيعي في منتصف القرن الـ20. وأصبح قطران الفحم المأخوذ من أفران فحم الكوك مصدرا للمواد الكيماوية اللازمة لصناعة صبغة الأنيلين المزدهرة.
وأخيرا، وفر الغاز الناتج من أفران الكوك في وادي الرور الأمونيا اللازمة لأسمدة النترات والمتفجرات، والغاز اللازم لتشغيل أول محركات الاحتراق الداخلي التي أنتجتها شركة أوتو. كانت كل هذه التقنيات "محتَضنة" من اكتشافات أحد المصادر الطبيعية الذي لا يمكن تحويله مباشرة إلى أموال، ألا وهو الفحم.
الذهب الأسود
وبالمثل، كان لاكتشاف احتياطيات كبيرة من البترول "الذهب الأسود" في القرن الـ19 "في البداية بسبب البحث عن بديل لزيت الحوت المستخدم في المصابيح أن حضن مجموعة كبيرة من التقنيات الجديدة. وكانت البداية بتكنولوجيا الحفر المحسنة، والتقطير التجزيئي للبترول، والبتروكيماويات التي تعتمد على البترول. والبتروكيماويات، شأنها شأن الإثيلين والبروبيلين، هي الأساس لجميع المواد البلاستيكية والألياف الصناعية. ويوفر البترول أيضا الوقود السائل اللازم في عصرنا هذا لمحركات الاحتراق الداخلي لجميع وسائل النقل البرية والجوية، ما عدا السكك الحديدية الكهربائية، فضلا عن الطرق الوعرة والآلات الزراعية.
من الواضح جدا لمعظم الحكومات وقادة الأعمال اليوم أن النمو الاقتصادي المستدام سيعتمد مستقبلا على توافر طاقة عالية الجودة وبتكلفة منخفضة.
ليس الوقود الأحفوري ضروريا لتشغيل معظم صناعات اليوم فحسب، وإنما كان أيضا حاضنا لمعظم لبنات البناء التكنولوجي لتلك الصناعات، بما فيها الطاقة الكهربائية. صحيح أن صناعة الإلكترونيات، ووليدتها صناعة تكنولوجيا المعلومات، لم تكن نتيجة مباشرة للكهرباء واسعة النطاق، لكنها بدأت بالترانزيستور 1946، معتمدة على ظاهرة فيزيائية مكتشفة حديثا، ألا وهي الشبه موصلة. ومنذ ذلك الوقت، أصبح العلم هو المصدر الجديد، وأصبحت المختبرات العلمية، التي تمولها الحكومة، والصناعة هي الحاضنات الجديدة. وستأتي معظم الصناعات المستقبلية، من تكنولوجيا النانو إلى الهندسة الوراثية من أنبوب الاختبار، كما يقال. ولكن قد يكون التحدي العلمي الأهم الوحيد في العقود القادمة هو إيجاد الطاقة المتجددة كبديل عن الوقود الأحفوري، الذي أوجد النظام الصناعي الحالي، بكل ما في الكلمة من معنى، ومنتجاته الثانوية غير المرغوبة.
