القدس .. ستبقى عربية

|
لم يكن من المتوقع أن يتجرأ ترمب على اتخاذ قرار أحادي الجانب، بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ودعم مشروع "تهويد" القدس، متجاهلا التاريخ العربي الإسلامي الطويل لمدينة القدس، فقد كانت الولايات المتحدة على مر العقود الماضية حذرة – إلى حد ما - فيما يتعلق بالقدس لمعرفتها بحساسية الموضوع وقدسية المكان ليس للفلسطينيين فقط، بل للمسلمين جميعا وكذلك للمسيحيين، وكانت تحاول أن تبدو– ولو ظاهريا – كطرف محايد يسعى لتقريب وجهات النظر من أجل الوصول إلى حل الدولتين. ومن الغريب أن يدعي وزير الخارجية الأمريكي "بأن ترمب كان واضحا ولم يذكر الوضع النهائي للقدس"، وتؤكد السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة أن "ترمب ملتزم بعملية السلام". عفوا يا سادة، كيف يكون ملتزما بعملية السلام وهو يرجح طرفا على آخر، ويتخذ خطوة تمنح إسرائيل ورقة في المفاوضات، وتلغي دور الولايات المتحدة في الضغط على أطراف الصراع للقبول بحلول تحفظ بعض الحقوق للفلسطينيين، وأهم من ذلك، كيف يكون ملتزما بعملية السلام وهو يتناقض مع قرارات مجلس الأمن الكثيرة ومنها القرار 242 المعروف؟! ولا شك أن الوضع المتردي للعرب وتضعضع تأثيرهم في الساحة السياسية الدولية، وكذلك ضعف الفلسطينيين وانقساماتهم وعدم إخلاص بعض قياداتهم للقضية الفلسطينية منح ترمب الشعور بمحدودية الضرر على مصالح الولايات المتحدة من جراء الإقدام على هذا القرار الجائر في حق الفلسطينيين خصوصا والمسلمين عموما. هناك من يعتقد أن هذا التحرك الأمريكي لا يؤثر كثيرا في أرض الواقع، خاصة أن "إسرائيل" تُسيطر – فعليا – على القدس منذ عقود، ولكن الأمر خلاف ذلك بالكامل، فله أبعاد مهمة وخطيرة ليس على الوضع في فلسطين فحسب، بل يؤثر في مساعي السلام والحرب على الإرهاب بوجه عام، وبالتحديد ما يلي: 1. يفقد الولايات المتحدة مكانها في عملية السلام في الشرق الأوسط من خلال إحراق ورقة الضغط "الناعمة" على إسرائيل لانتزاع بعض حقوق الفلسطينيين، وبذلك لم تعد شريكا محايدا في مفاوضات صنع السلام في الشرق الأوسط، بعد اعترافها بشرعية أراض محتلة بالقوة لا يعترف بشرعيتها سوى إسرائيل فقط. 2. يشجع التيار اليميني في إسرائيل على سلب مزيد من حقوق الفلسطينيين ورفض حل الدولتين. 3. يدخل "إسرائيل" في دائرة الاضطرابات والعنف وعدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة المجاورة لها في العراق وسورية، بعدما استطاعت النأي بنفسها عن تلك الصراعات خلال السنوات الماضية والاستمتاع بمشهد العرب يحرقون أنفسهم بأنفسهم. 4. تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية ضحايا قمع إسرائيل لردة فعل الفلسطينيين الطبيعية لمثل هذا القرار الذي ينتهك حقوقهم ويشرعن للمحتل احتلال أراضي الغير دون وجه حق. 5. لعله يُسهم في التفاف الفلسطينيين حول أنفسهم وإصلاح بيتهم من الداخل، ومن ثم التركيز على قضيتهم بعيدا عن إشغال أنفسهم بقضايا وتيارات دينية وسياسية لا تخدم مصالحهم. وأخيرا، نظرا لضعف التأثير السياسي العربي والإسلامي، لا بد أن يتحمل الفلسطينيون القدر الأكبر من المسؤولية للدفاع عن القدس بتخطيط وحكمة، بعيدا عن ردود الأفعال غير المدروسة التي تشوّه حقوقهم الشرعية وقضيتهم الإنسانية العادلة، والأمل في أن تفرز هذه التطورات قيادات شابة جديدة تكون أكثر فاعلية وتأثيرا من قيادات الماضي. ويبقى في النفس أمل كبير بأن يتنامى الوعي الإسلامي والعالمي بخطورة قرار الولايات المتحدة على مصير هذه المدينة المقدسة خصوصا وحقوق الفلسطينيين عموما.
إنشرها