الدبلوماسية الشعبية .. دبلوماسية الرياضة أنموذجا

|

يقصد بدبلوماسية الرياضة: استخدام الرياضة كأداة للتأثير في المجالات السياسية الدولية أو العلاقات الدبلوماسية أو الاجتماعية بين الدول، يتم من خلال تلك الأنشطة الرياضية تجاوز الأزمات أو العواقب ومحاولة ردم أي خلاف من خلال المنافسات أو السلوك الرياضي من قبل اللاعبين أو الفرق.
أدت الرياضة على مدى طويل دورا كبيرا تجاوز الدور الرياضي أكان ذلك الدور إيجابيا أم سلبيا، حيث تعددت الأمثلة في دور الرياضة أحيانا في تعميق الفجوة بين البلدان، ولعل أبرز مثال على ذلك هو الحرب التي قامت بين هندوراس والسلفادور عام 1970. وفي المقابل هناك نماذج رياضية مشرفة أسهمت إيجابيا في تعميق العلاقات الشعبية، وأبرز مثال عربي مشرف في ذلك هو ما قام به اللاعب الأولمبي المصري محمد رشوان بطل الجودو عند نزاله مع اللاعب الياباني ياماماتو الذي كان مصابا قبل النزال، ولم يستغل رشوان إصابة خصمه، وخسر بعد ذلك الميدالية وحاز أعلى الأوسمة الرياضية في مجال الروح الرياضية والأخلاق الحسنة وعززت تلك اللفتة بلا شك العلاقات المصرية - اليابانية.
يمثل الميثاق الأولمبي دستورا لكل الهيئات الأولمبية الرياضية في العالم وما يحث عليه من قيم عليا وتسامح ونبذ للعنصرية والمنافسة الشريفة، وهذه الروح بالتأكيد هي ما تعزز لقاءات الشعوب مع بعضها بعضا وتعمل على تفتيت العصبيات والحساسيات التي نشأت بسبب التوترات السياسية بين الدول، ولذا تعتبر الرياضية وسيلة مهمة يمكن استخدامها كأداة من أجل دعم العلاقات الثنائية، وأحيانا العكس، قد تكون معول هدم.
يسعى على المستوى الدولي عدد من المنظمات على تعزيز مبدأ الدبلوماسية الرياضية بين الشعوب من خلال إقامة معاهدات واتفاقيات وأنشطة رياضية تحاول من خلال بعضها كمثال، نبذ العنصرية، وتأييد القضايا التي تؤيد السلم الاجتماعي. ونظرا للإقبال الكبير الذي تلقاه رياضة كرة القدم كمثال أصبح كل ما يجري في الملعب ومن قبل اللاعبين تحت الرقابة ومن هنا أدت تصرفات الجماهير أو اللاعبين في الملعب وداخله في التأثير في العلاقات المجتمعية أو حتى العلاقات بين الدول.
ولهذا تعتبر دورة الألعاب الأولمبية من أهم المحافل الدولية التي تعبر فيها الدولة عن قوتها وكأنها رسالة دبلوماسية للعالم أجمع عن مدى تطور تلك الدولة، وإمكاناتها وإمكانات مواطنيها من خلال ما تحصده من ميداليات خلال تلك الألعاب، ومن خلال تفوق أساليب التدريب، وكذلك مظهر لاعبيها وافتخارهم واعتبار أن ما يقدموه هو فخر وطني تسعى الدولة إلى رعايتهم والاهتمام بهم كأبطال وثروة دبلوماسية سواء من خلال الفرق أو من خلال الأفراد كشخصيات مؤثرة.
يمكن هنا الاستشهاد بمثال تاريخي جميل جدا حين زار الملاكم الشهير محمد علي كلاي العراق وأسهم في الإفراج عن محتجزين، وبالتالي، استثمر شعبيته الرياضية والمجتمعية من أجل هدف دبلوماسي وإنجاز مهمة لبلده آنذاك، ولذا فالاستثمار في الرموز الرياضية، وبناؤها في كل الرياضات، خاصة الرياضات الفردية، قادر على إنتاج نماذج ذات مستوى رياضي وأخلاقي ونماذج يحتذى بها من قبل الشباب في الوطن العربي أجمع والمملكة خصوصا، ويمكن بعد ذلك استثمارهم لمصلحة الدبلوماسية الوطنية.
لا شك أن الدبلوماسية تجاوزت العلاقات الرسمية ممثلة في الموظفين الرسميين وذلك بسبب ظهور لاعبين جدد من منظمات غير حكومية ودبلوماسية شعبية وعلاقات تحكمها المؤسسات ما دون الدولة، وهنا يمكن جعل الرياضة والاستثمار الرياضي، والمعسكرات الرياضية إحدى هذه الأدوات الذكية التي يمكن توجيه رأس المال الرياضي من المدربين واللاعبين بين مختلف دول العالم، كوسيلة لكسب الشعوب وتعزيز العلاقات وتجاوز الخلافات البينية.
إن الرسائل التي تصل لتلك الوفود والتفكير في برامج ومبادرات تهتم بهم وتعرفهم على الثقافة المحلية والعمق التاريخي والحضاري والمعرفي في المملكة أمر مهم جدا، ويشمل ذلك أيضا أن تقوم تلك الفرق الرياضة بزيارات الحرمين الشريفين، والتعرف كذلك على مختلف مناطق المملكة، بحسب نوع الرياضة والنشاط ومكان إقامته.
يعتبر التنسيق والتواصل بين الجهات الدبلوماسية والرياضية أمرا ضروريا، علاوة على الجهات التعليمية، التي من شأنها إيجاد محتوى دبلوماسي ضمن المنافسات الرياضية، الذي من خلاله نسعى إلى تعزيز المصلحة الوطنية، وبالتالي إفادة المملكة في الجوانب الاجتماعية في تلك البلدان وتعزيز الوجود الاقتصادي وبالتالي ترابط على مستوى الشعوب والمؤسسات غير الحكومية. بالتأكيد وجود مثل تلك الدبلوماسية يسهل العمل الدبلوماسي الرسمي وبالله التوفيق.

إنشرها