بريطانيا تحت التهديد

|

"بريطانيا اليوم تعاني عداء التقادم"

توني بين، وزير بريطاني سابق

بلغ الوضع الراهن بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حدا، أن وجه الأخير للمملكة المتحدة تحذيرا هو أقرب للتهديد، فيما يرتبط بعرض الانفصال عن الاتحاد. ويتلخص التحذير - التهديد، في أنه إذا فشلت لندن في تحسين هذا العرض، فإنها بالضرورة ستفشل في إقناع زعماء هذا التكتل الكبير، بفتح محادثات تجارية مع المملكة المتحدة قبل نهاية الشهر المقبل. والعرض "كما هو معروف" يتعلق بحجم الأموال التي على الجانب البريطاني أن يدفعها لإتمام الانفصال نهائيا في آذار (مارس) من عام 2019. فحكومة تيريزا ماي تحاول بشتى الوسائل أن تخفضها إلى أكثر من النصف، في حين لا توجد إشارات واضحة من الجانب الأوروبي بقبول ذلك، بل تحدث بعض المسؤولين الأوروبيين بصورة غير رسمية بسخرية على العرض البريطاني المخفض.
المصيبة التي تواجهها بريطانيا اليوم لا تتعلق فقط بحجم أموال الانفصال، بل بالخلافات الحكومية والحزبية حول أمر الانفصال برمته. هناك كراهية واضحة لدى الوزراء في الحكومة البريطانية ضد بعضهم بعضا. والتكتلات السرية وشبه العلنية تسهم في إرباك المفاوضين البريطانيين بالفعل. بل ظهرت بعض السلوكيات البريطانية على الساحة أعطت إشارات سلبية إضافية للأوروبيين. كل الاجتماعات التي عقدتها رئيسة وزراء بريطانيا مع نظرائها في الاتحاد الأوروبي، لم تحرز أي تقدم. ناهيك عن بعض القضايا الأولية العالقة في المفاوضات لا تختص بفاتورة الانفصال، وتشكل في الوقت نفسه معضلات حقيقية. بينما تلهث لندن وراء اتفاق تجارة مع الاتحاد الأوروبي بعد خروجها حتى قبل أن يتحقق تقدم واحد يذكر في مفاوضات الخروج.
المعضلتان الرئيستان هما، وضعية جمهورية إيرلندا "العضو الكامل في الاتحاد"، وعلاقة هذه الجمهورية مع إقليم إيرلندا الشمالية البريطاني بعد الانفصال. وليس هناك تصور حتى الآن لهذه المشكلة الحساسة سياسيا واجتماعيا. وهذه النقطة أيضا أثارت مزيدا من الخلافات داخل الحكومة البريطانية نفسها، التي تجمع بين قادة الانفصال، والقادة الذين وقفوا ضده. المعضلة الثانية، هي وضعية المواطنين الأوروبيين في بريطانيا. وهذه كانت أول بند على قائمة المفاوضات ولا تزال. فالبريطانيون لم يقدموا أيضا أي تصور بهذا الصدد. ومسألة مصالح المواطنين الأوروبيين في المملكة المتحدة، تتقدم عند الاتحاد على أي موضوع آخر. هي قضية تتعلق بالفرد والناخب الذي يمثل المحور الرئيس لكل حكومات هذا الاتحاد، وأي تهاون فيها يسبب مشكلات سياسية حقيقية لكل هذه الحكومات التي تقوم بمهمة حماية حقوق مواطنيها.
الرعب الذي تعيشه الحكومة البريطانية يبقى دائما متعلقا بشكل العلاقة التجارية مع الاتحاد بعد الانفصال. إلا أن الأوروبيين يقولون لها، لنحل عدة مشكلات رئيسة أولا "فاتورة الانفصال، ووضعية إيرلندا، ومستقبل المواطنين الأوروبيين في بريطانيا"، قبل التفكير في بحث اتفاق تجاري بيننا. والاتفاق التجاري المستهدف يمثل المحور الرئيس بالنسبة لبريطانيا. هي لا تستطيع المضي مع الأوروبيين في علاقات طبيعية إلا باتفاق تجاري خاص، بحكم الصلات والتداخل في هذا المجال بينها وبين بلدان الاتحاد. واتفاق تجاري جيد، هو في الواقع بمنزلة جائزة لكل الأطراف البريطانية، بمن فيهم أولئك الذين قادوا عملية الخروج من الاتحاد. وستكون على شكل ترضية للذين يجدون أن الانفصال كارثة وطنية حقيقية على البلاد.
المفاوضات البريطانية - الأوروبية دخلت مرحلة التحذيرات - التهديدات، وهي لا تنذر بالخير، لأن المتشددين في لندن أعلنوها صراحة، أنهم يفضلون الانفصال بلا اتفاق، على طلاق باتفاق لا يمكن قبوله. وهذا ما نشر في الأجواء مزيدا من الغيوم على جانبي القنال الإنجليزي. لكن السؤال الأهم يبقى، هل تستطيع بريطانيا الانسحاب بلا اتفاق حقا؟! بل هل تسمح لها مكانتها القيام بذلك فعلا؟ الجواب ببساطة هو بالنفي القاطع. فالالتزامات بين الدول يمكن التفاوض حولها على مدى عقود، لكن من الصعب "وأحيانا" من المستحيل غسل اليدين منها. المهم الآن أن تكون هناك مرونة بريطانية، لأن الجانب الأوروبي لا ينوي توفيرها على الأقل في هذا الوقت بالذات. فالمبادرة تبقى على الجانب البريطاني.
المهلة التي منحها الاتحاد لبريطانيا لا تتجاوز عشرة أيام، وهو يريد حسمها نهائيا قبل نهاية العام الجاري، على أمل بدء مفاوضات تتعلق بقضايا أخرى في العام المقبل، بما فيها بالطبع تلك الخاصة باتفاق تجاري مستقل مع بريطانيا في أعقاب الانفصال. هناك كثير من القضايا المتشعبة تستدعي وقتا طويلا. بعض المنغمسين في المفاوضات الأوروبية - البريطانية، يقولون سرا، إن الزمن المتبقي من مدة المفاوضات لا يكفي لإتمام اتفاقات انفصال أو تجارة. وهؤلاء لا يبالغون في الواقع فيما يقولونه. فحتى لو تمت الاتفاقات في المواعيد الموضوعة لها، هناك إجراءات على المملكة المتحدة اتخاذها محليا لتسويقها شعبيا وبرلمانيا أيضا. إنها مسألة لن تفرغ بريطانيا على وجه الخصوص من آثارها لسنوات قادمة.

إنشرها