التدريب .. مهنة من لا مهنة له

|

نظرا للتطور التقني المتسارع الذي يحدث تغييرات مستمرة، ليس في المجالات التقنية والمهنية فقط، بل في جميع مجالات الحياة والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى التغيرات الكبيرة في متطلبات سوق العمل، وكذلك أنماط الحياة، فقد أصبح التدريب من خلال الدورات التدريبية وورش العمل من الآليات الفاعلة لمتابعة التغيرات التقنية السريعة في جميع المجالات المهنية والحياتية، فهو يسهم في رفع مستوى كفاءة العاملين من خلال التخلص من مواطن الضعف الناتجة عن ضعف في التعليم أو طبيعة متطلبات العمل، أو بسبب تغيير المسار الوظيفي. كما يؤدي التدريب دورا مهما في تطوير الذات ورفع قدرات الناس عموما وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتحسين قدراتهم الذهنية ومهارات التواصل وفهم الآخرين لديهم. من هذا المنطلق، حرصت الجامعات على وجود أذرعة تدريبية لها، وانتشرت مئات المعاهد التدريبية الخاصة في جميع المدن.
ومن المعروف أن نجاح التدريب يتطلب بيئة تدريبية مناسبة، ودورات تدريبية "مهنية" وعملية وليست نظرية، وأهم من ذلك كله مدرب متمكن يمتلك خبرة طويلة وتخصصا علميا في مجال الدورة. ولكن نظرا لحداثة هذا المجال وضعف الرقابة، فقد أصبح مجال التدريب "مهنة من لا مهنة له"، فقد تطفل على هذا المجال ضعاف النفوس وأصحاب الشهادة الوهمية أو العاطلون عن العمل الذين يمتلكون قدرة "الفهلوة" – كما تسمى بالدارجة – وأصبحوا أسياد ساحة التدريب والتطوير سواء بصفة مستقلة أو من خلال مراكز التدريب المنشرة في معظم شوارع المدن الرئيسة التي تسعى للربح المالي بدرجة أساسية. ومن المؤسف أن المتطلب الأساسي لتقديم الدورات التدريبية هو الحصول على دورة "تدريب المدربين" لمدة خمسة أيام. وبالحصول على هذه الدورة يمنح الشخص رخصة للتدريب في مجالات تطوير الذات وبناء الشخصية وتعزيز مهارات التواصل والسيطرة على المشكلات الاجتماعية وغيرها، والأخطر من ذلك أن بعض المدربين ينتقل، أو بالأصح يتسلل، إلى مجال تقديم استشارات اجتماعية لحل المشكلات الاجتماعية عموما، والزواجية خصوصا.
وعلى الرغم من أن ظاهرة انتشار مراكز التدريب تبدو إيجابية في ظاهرها، فإنها – في الغالب - موجهة للكسب المادي السريع، وتقديم دورات لا تضيف الكثير، ولا تقدم فائدة ملموسة للمتدربين. لذلك فإن الحاجة ماسة إلى تنظيم هذا القطاع من أجل حماية المجتمع من المتطفلين الذين لا يمتلكون سوى الفهلوة والتدليس على الناس، والحاجة كبيرة إلى تقييم مراكز التدريب وفق معايير الجودة المعروفة. ولا شك أن المسؤولية تتوزع بين عدد من المؤسسات الحكومية، خاصة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ووزارة التعليم، وكذلك وزارة الصحة.

إنشرها