منارة المراجعة الداخلية في إمارة منطقة نجران

|

تلقيت دعوة كريمة من إمارة منطقة نجران لأتحدث عن المراجعة الداخلية وأهميتها ودورها وعناصرها وذلك لمنسوبي الإمارة والجهات الحكومية الأخرى في المنطقة، ونظرا للظروف الأمنية هناك لقربها من الحدود اليمنية فقد كان من الصعب استخدام الطيران للسفر والوصول إلى المنطقة، ولهذا كان الخيار المتاح هو استخدام الطرق البرية من مدينة أبها، ولأني لم أقم بزيارة منطقة نجران منذ سنوات طويلة فقد كنت قلقا من الإجراءات الأمنية على الطريق، حيث إنها قد تتسبب في تأخير وصولي في الوقت المناسب، لهذا اتخذت قرارا بالتحرك مبكرا عن الوقت الذي أشار إلي به منسق البرنامج من الإمارة وأيضا لم أكن واثقا من قدرات برنامج خرائط جوجل في تحديد المدة الزمنية اللازمة. وللحقيقة لم أكن أتصور أبدا أن الطريق إلى مدينة نجران الحدودية مع اليمن بهذه السهولة وهذا الأمن، لم يكن هناك أي إجراءات فوق العادة خلال مسيرتي من أبها، كل شيء كان هادئا، والأمن عند أعلى مستوياته، والجميع يعمل بصورة طبيعية، لقد شعرت فعلا بمعنى الأمن والأمان ومعنى أن تسير أكثر من 350 كيلومترا متجها إلى منطقة قريبة من صراع عسكري، ومع ذلك تشعر بالأمن وتجد كل ما تحتاج إليه على الطريق، فالحمد لله على كل هذا.
لكن دهشتي لم تقف عند موضوع الأمن فقط، بل زادت مع ما شهدته من الاهتمام منقطع النظير الذي توليه إمارة منطقة نجران وأمير المنطقة جلوي بن عبدالعزيز بمهنة المراجعة الداخلية، فعندما وصلتني الدعوة كانت أفضل توقعاتي أن أجد مكتبا وحيدا وموظفا يتكلم مع نفسه فقط، كما هو الحال – مع الأسف – في كثير من الأجهزة الحكومية ومنها بعض الجامعات السعودية. لقد جهزت كل حديثي ومخطط الندوة لكي أقنع منسوبي الإمارة بدور المراجعة الداخلية واستقلالها وارتباطها بالمسؤول الأعلى، لكني وجدت فريقا متكاملا، متحمسا، نشطا، ومتخصصا بمؤهلات عالية وحاصلين على درجات علمية من جامعات أمريكية راقية، فريق لديه كل الإمكانات التي تؤهله للقيام بعمل يتناسب مع احتياجات الإمارة وحجم أعمالها، فريق مكون من مدير مراجعة ومراجعين متخصصين لديهم استقلال ظاهري واضح وارتباط مباشر مع أمير المنطقة، ولهذا كان سؤالي بعدما رأيت هذا المستوى المتقدم، لماذا تم التنسيق لهذا اللقاء، وأنتم بهذه الإمكانات؟ لقد جاءت الإجابة مهمة فعلا، ذلك أن خطط الإمارة وعلى رأسها أمير المنطقة تسعى إلى تعميم تجربة المراجعة الداخلية والتوعية بأهميتها لجميع الأجهزة الحكومية في منطقة نجران. ولقد كانت الإجابة صادقة، فعندما بدأت أعمال الندوة المتخصصة وجدت أمامي حشدا كبيرا من كبار موظفي الإمارة وموظفي الأجهزة الحكومية العسكرية والمدنية، الجامعة والتعليم ومختلف القطاعات. نعم لقد كانت ثقافة المراجعة الداخلية في نجران تتفوق على كل ما تصورته وأعددت له، ولهذا بدا وكأن مشروعي للتحدث هناك بحاجة إلى تغيير سريع.
عندما التقيت أمير منطقة نجران الأمير جلوي بن عبد العزيز، جاءتني إجابة عن كل الأسئلة حول أسباب التقدم الذي وجدته، فالأمير يحمل هما حقيقيا في تطوير قطاعات المنطقة وأن تكون في الموعد مع تحقيق "رؤية المملكة 2030"، وخاصة أنها على مقربة من الحد الجنوبي الملتهب هذه الأيام، ومع ذلك فإن التطوير عملية لا تقف ويجب ألا تقف، لقد فهمت من خلال اللقاء أن هناك فهما واسعا لدور المراجعة الداخلية خاصة في الأزمات، فإذا كان المسؤول منشغلا بالقضايا الأمنية وتكاد تأخذ وقته وجهده فإن المراجعة الداخلية تبقيه في الصورة عن كل الأمور الأخرى، وإن أهداف التنمية تسير وفقا لما خطط لها، هنا فقط تذكرت كيف أنني كنت أسير طوال الطريق وأرى مشاريع التنمية لم تتوقف، الجميع منهمك في التنمية على الرغم من المشهد العسكري، والمراجعة الداخلية تعمل لتتأكد أن الجميع يعمل لتحقيق الأهداف المخطط لها. لقد كان اللقاء مع الأجهزة الأخرى خلال الندوة مهما جدا من ناحية أن مفهوم المراجعة الداخلية يبقي "رؤية 2030" في مجال إدراك الجميع، شعب طموح واقتصاد مزدهر وحكومة فاعلة.
من المهم الإشارة هنا إلى أن اللقاء مع الأجهزة الحكومية في منطقة نجران خرج بنتائج مهمة جدا، لعل أهمها أن الرغبة واضحة لدى عديد من مديري فروع الأجهزة الحكومية هناك بضرورة الاستفادة من خدمات المراجعة الداخلية، لكنهم على الرغم من ذلك لا يستطيعون تفعيلها في فروعهم، حيث لم يتم تفعيلها في المركز الرئيس. مديرون آخرون يرون أنها مهمة ولكن إدارة المراجعة الداخلية في المركز الرئيس لم تقم بإنشاء قسم لها في الفروع، كما لم يقم أي فريق بزيارة هذه الفروع، هنا ترى حماسا منقطع النظير مع ذلك فإنك تقف في الوقت نفسه عاجزا عن تقديم توصية مناسبة تحل المشكلة، ولكني من خلال منبر "الاقتصادية" أرجو من جميع الوزارات الاستفادة من الحماس والتجربة التي وجدتها في منطقة نجران، وتقبلوا تحياتي.

إنشرها