كيف يكون حياد وموضوعية القاضي؟

|

الحياد والموضوعية لدى القاضي أمران جوهريان في القضاء العادل، وتسعى جميع القوانين لمنع كل ما يمكن أن يمس حياد القاضي وموضوعيته من خلال تشريع مجموعة من الالتزامات على القاضي لتمنع احتمال عدم الحياد ولتؤكد موضوعيته، ولكن يجب شرح أن الموضوعية يجب أن تكون شاملة لكل ما يمكن أن يؤدي لعدم الموضوعية أيضا.
بداية يجب أن نذكر أن نظام المرافعات الشرعية في بابه الثامن ركز على هذا الأمر، حيث منعت المادة 94 القاضي من نظر القضايا التي يكون له فيها ارتباط من قرابة أو مصلحة أو أي علاقة يمكن أن تؤثر في حياده، كما أوجبت عليه أن يمتنع من تلقاء نفسه ولو لم يطلب ذلك أحد الخصوم. كما جاءت المادة 96 لتؤكد أيضا حق الخصوم طلب رد القاضي عندما يكون هناك ما يؤثر في حياده وموضوعيته من خلال علاقة مودة أو خصومة مع أحد الخصوم وغير ذلك.
ولكن برأيي أن الموضوعية لا تقتصر على ذلك، فإن موضوعية القاضي يجب أن تكون أشمل من ذلك، بأن يمتنع أيضا أن يؤثر فيه شكل المترافعين أو توجهاتهم أو ميولهم وما شابه ذلك مثلا، فإن موضوعية القاضي وعدالته تقتضي أن يكون موضوعيا في النظر ولا تؤثر فيه أي من المؤثرات الخارجة عن موضوع الدعوى.
كما أن جزءا مهما من موضوعية القاضي أن يقوم برصد وتدوين كل ما يدور في الجلسات القضائية وأن لا ينتقي من مداخلات الخصوم ويترك بعضها، وهذا أمر مهم ومؤثر جدا، حيث إن كل ما يدور مؤثر جدا في البينات وإصدار الحكم، وقد لا يجد القاضي لبعض المداخلات معنى إلا أن قاضيا آخر في الاستئناف مثلا قد ينظر إليها من زاوية أخرى فتكون مؤثرة، ولذلك فالموضوعية تقتضي تدوين كل شيء خصوصا أن الأصل في المرافعة أن تكون شفهية كما ينص على ذلك نظام المرافعات، كما أن تهمة الانتقاء من كلام الخصوم وعدم الموضوعية لا يحمي منها إلا أن يكون القاضي محايدا ويدون كل شيء مؤثر، الأمر الذي يخالفه بعض القضاة - وإن كانوا قلة- بدعوى عدم تأثيرها، إلا أن تدوينها يتأكد وتتطلبه الموضوعية عندما يطلب أحد الخصوم تدوين بعض النقاط، وليس من حق القاضي إطلاقا أن يمتنع عن التدوين مهما كان السبب حيث إن ذلك عدم موضوعية وأحيانا قد يُعتبر قدحا واضحا في حياده وتدخله في سير الدعوى.
هناك بعض الممارسات المخالفة للحياد والموضوعية مثل تدخل القاضي في صياغة طلب الخصوم أو إعادة صياغته وتحرير الدعوى، وهذا بلا شك يخالف الموضوعية والمهنية الواجبة على القاضي مهما كان المبرر، كما أن هناك ممارسات مثل رفض لوائح المتخاصمين وفرض نمط محدد من إنشاء القاضي، وهذا بلا شك فيه جزء كبير من نقص المهنية وعدم الحياد الواجب، ومثل هذه الممارسات تؤكد ضرورة تعزيز قواعد الشفافية والمهنية لأعمال القضاة وإن كان الأغلبية ولله الحمد على كفاءة وإدراك جيد لذلك.

إنشرها