العزلة الإدارية .. والممارسات المرنة

|

بعد تجاوز بهو البناية الضخمة تقودك الأبواب خلف الأبواب نحو الفريق الخبير ــ الفريق "ألفا" ــ الذي يحضر مبكرا ويخرج مبكرا، لم يغير ترتيب مكاتبه منذ 21 سنة. ما زال هذا الفريق يصر على أن الضريبة الجديدة لن تغير كثيرا في سير أعماله، وأن نقاط البيع الإلكترونية وبرنامج المحاسبة السحابية المتكاملة تشكل خطرا على سرية المعلومات، وأن العملاء هم العملاء ولن يتغيروا كثيرا. مع أن رئيس الفريق مثقف ويتابع معظم الدوريات العلمية في تخصصه ويحضر عددا لا بأس به من المناسبات المهنية كل عام، إلا أنه يعتقد أن معظم ممارسات العالم الغربي لا تناسبنا، فالعالم الصغير حوله لا يستوعب هذه المفاهيم ولن يتفق معها، وستكون محاولاته مجرد تضييع للوقت، لذا ما زال يعتمد على الطرق القديمة "الرصينة" لإدارة العمل.
في جانب من بناية أعمال أخرى حديثة يشتد الصخب ويتوسع الفريق الذي استأجر للتو مزيدا من المساحة المكتبية، حيث يتشارك الجميع الموقع بلا جدران وعوازل. مهندسون ومطورون يستمعون إلى المحلل المالي الذي يشرح لهم تبعات تشريح التكاليف التحليلي الذي قام به، وكيف يؤثر ذلك في سلوك العميل حسب القيمة التي يتلقاها مع كل شريحة سعرية، وبالتالي يجب تنسيق رحلته في المنصة الإلكترونية بشكل يحافظ على تركيزه على هذه القيمة. يقود النقاشات فريق تسويقي ضليع وينسق بينهم مدير مشروع يعمل مثل أم العروسة، يهتم بكل التفاصيل ويعرف كيف يحفز الجميع للاهتمام بقائمة مهامه سريعة التفاعل. سأسمي هذا الفريق "بيتا".
عدد الموظفين في بناية ــ "ألفا" ــ أكبر من الآخر بـ30 ضعفا، ولكن كل عام يقوم فريق "بيتا" بتجديد العلاقات مع 60 في المائة من عملاء السنة الفائتة ويكسب ضعفهم من العملاء الجدد كل موسم. بينما يخسر فريق "ألفا" كل عام 20 في المائة من عملائه المخلصين الذين لم يتركوه لأكثر من عشر سنوات ولا يكسب إلا عميلا أو عميلين كل سنة. بهذا المعدل سيخرج "ألفا" من السوق خلال السنوات الأربع أو الخمس القادمة وربما قبل ذلك، ولكن إدارة التقارير ــ الموجودة في عقلية مالك الفريق "ألفا" ــ لم تشر إلى هذا الأمر بعد!
كمية الخبرة التي يستولي عليها "ألفا" ممتازة، ولكنه لا يستطيع الاستفادة إلا من المعلومات المجمعة في عقل المدير المالك. بحنكته تدار استخبارات الأعمال وتصنع القرارات. نعم، بعض قراراته ممتازة ومبنية على معلومات جيدة وفيها من إمكانات العقل البشري الكثير، ولكن فرصة إعادة تنفيذ القرارات بالقوة نفسها شبه مستحيلة، يستطيع تكرار القرار نفسه ولكن ليس بالقوة نفسها؛ في الحقيقة هذا معظم ما يقوم به، تكرار القرارات الناجحة حتى تفشل! "بيتا" في الجانب الآخر يوثق وينشر التعلم الذي يحصل عليه، ويستطيع تنفيذ قرارات قوية كل مرة، بل إن "بيتا" يجرب الفشل قبل أن يحدث. يختلف فريق "بيتا" عن "ألفا" في نقطتين مهمتين، الأولى أنه يتعلم ويطبق الجديد بسهولة ويسر، والثانية أنه مرن جدا في تصرفاته، سريع التأقلم والتغيير حتى أنه يبحث عن فرصة التغيير ولا ينشد الاستقرار، الاستقرار في روايته المفضلة حبس افتراضي يتعلق به أفراد الجيل السابق.
يحترم قائد الفريق "ألفا" مسألة تعدد التخصصات، ولكنه يعتبرها مسألة أكاديمية بحتة يجب ألا تناقش عند المهنيين والممارسين. هو يعتقد أن أعضاء الفريق يجب أن يلزموا حدودهم المعرفية ويقدروا فروقات التخصص ويستثمروا في العمق الذي يحصل به الجوهر. "بيتا" في الجانب الآخر يستغل مفاهيم التنوع الأخلاقية لصنع القيمة أثناء جلسات العصف الذهني. يقول مؤسس الفريق: "نحن نصنع القيمة الجديدة لعملائنا عن طريق اكتشاف التقاطعات التي لم تهيكل بعد. بعد مزج الخبرات والتخصصات والمواقف نتمكن من رؤية التقاطعات الموجودة؛ في الأغلب لم تصمم التقاطعات بطريقة جيدة، ليس لضعف المصممين ولكن لأن أحدهم لم يولها اهتماما بعد".
تتضح لنا الصورة لو نظرنا إلى إسهام إدارة عمليات التصنيع في "تويوتا" اليابان في الإدارة الحديثة، الـlean management كمثال، ومثلها مبادئ الـAgile المنبثقة من تطوير الأنظمة التقنية واستخدامها في إدارة المشاريع، ومثلها كذلك ممارسات التفكير المنظومي. وأخيرا، الدور الذي قام به علم النفس السلوكي في تفسير النظريات الاقتصادية، وبالتأكيد مزيد من تداخلات العلوم الاجتماعية والتطبيقات التقنية الحديثة مع ممارسات الأعمال.
تمكن فريق "ألفا" أخيرا من توظيف شاب ألمعي خبير وصغير في السن، وبدأ في الاعتماد عليه لإنقاذ العمل. طلب الشاب بدوره بعض التطويرات لتحسين جودة معالجة أسلوب العمل. كذلك اقترح على مالك الشركة أن يجرب النسخة الجديدة من منتجاته على أسر الموظفين، وأن يستعيض عن بعض التقارير باجتماعات تفاعلية غير هرمية وغير موثقة، تقوم على القفز خارج الصندوق والخروج عن النص الاعتيادي وتمكين بعض الموظفين. رفض المالك جميع اقتراحاته. بعد بضعة أشهر انتقل هذا الشاب إلى "بيتا"، وانتهت "ألفا"! من الجيد أن فريق "بيتا" لا يزال محافظا على مبادئه ما سيسمح له بتجاوز التحديات الجديدة، لذا لم ولن يتحول إلى "ألفا"؛ بينما فشل فريق "ألفا" في التحول إلى "بيتا" مصدرا بذلك حكم إعدامه الذاتي.

إنشرها