الثروات والملاذات الضريبية الآمنة

|

"الضرائب هي القيمة التي تدفعها المجتمعات المتحضرة لتبقى متحضرة"
ألبرت هارت مؤرخ وكاتب أمريكي راحل

من حقائق ما كشفت عنه "أوراق الجنة" نسبة كبيرة من الشخصيات المعروفة عالميا مشتركة فيها. من الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا إلى المغنية شاكيرا. وما بينهما شخصيات من كل فن، وأخرى من كل أنواع الرياضة، إلى جانب طبعا الأثرياء العصاميين والنصابين، ناهيك عن أولئك الذين راكموا الثروات عبر سرقة المال العام، والصفقات المشبوهة في كل قطاع ممكن والسمسرة غير المشروعة. و"أوارق الجنة" كما يعرف الجميع، هو توصيف دقيق لقوائم حسابات مالية هائلة الحجم في الملاذات الضريبية الآمنة. فكل الأموال التي تصل إلى هذه "الجنان" تبقى آمنة من آلة المحصل الضريبي الحسابية، ويمكن تحريكها من ملاذ إلى آخر بأسهل الطرق، ولا خطر على هذه الأموال، مهما كانت الإجراءات التي تتخذها الحكومات حول العالم.
لا بد من التأكيد هنا، أن هذه الحسابات وقوائم الشركات والمصارف في الملاذات المشار إليها قانونية. صحيح أنها أقيمت هناك بهدف التهرب الضريبي على وجه التحديد، إلا أنها تدخل ضمن نطاق اللوائح المعترف بها عالميا. غير أن ذلك لا يمنح بعض هذه الأموال الشرعية من الناحية الأخلاقية، عندما لا يكون هناك تدقيق حقيقي في مصادرها. وهنا تختلط الأموال الشرعية الهاربة من الضرائب، بالأموال غير الشرعية الهادفة لشيئين، الأول تجنب الضرائب، والثاني "وهو الأهم" "إلباسها" الرداء المشروع! بمعنى آخر، إما أن تصل هذه الأموال والأعمال "مغسولة" إلى الملاذ الآمن، أو يتم غسلها فيه. والأمر ليس صعبا، طالما أن اللوائح الحكومية في كل البلدان لا تنطبق هذا الحراك المالي. دعك من تأكيدات حكومات الملاذات، بأن كل شيء تحت الرقابة قبلها فهي طرف مستفيد وبالتالي لن يكون محايدا.
المشكلة الأكبر هنا، أن الغالبية العظمى من "الجنان الضريبية"، هي في الواقع تقع تحت التاج البريطاني، بصرف النظر عن شكلية تبعيتها لهذا التاج. وهذا ما صنع حرجا قديما للمملكة المتحدة ما زال موجودا على الساحة حتى اليوم. والذي يزيد من الحرج مع الكشف عما يزيد على 13.4 مليون وثيقة، أن اسم ملكة بريطانيا ظهر فيها، بإحصاء أكثر من عشرة ملايين جنيه استرليني تابعة لها، قابعة في هذه الملاذات. صحيح أن الملكة إليزابيث لم ترتكب مخالفة في ذلك، لكن بحكم موقعها في بريطانيا وفي بلاد الملاذات التي ترأسها، وضعها في موقف أحسب أنها لا ترغب فيه. دون أن ننسى، أن الملكة لا تقوم مباشرة بتحريك أموالها، وبالتالي من الطبيعي أنها لا تعرف كل التفاصيل في هذا الخصوص.
الضرائب تبقى مسألة حساسة في البلدان الديمقراطية، وفي كثير من الأحيان تكون محورا للخلافات بين الأحزاب السياسية الوطنية، بل يتم وضعها في صلب البرامج الانتخابية لهذا الحزب أو ذاك. فإذا كانت لا تعني شيئا في بلاد غير راشدة، فهي ليست كذلك في بلد كبريطانيا. وقبل عامين عندما تم الكشف عن "أوراق بنما"، وجدوا مبلغا صغيرا لوالد رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون في هذه "الأوراق"، ما اضطر الرجل إلى القيام بحملة من أجل تبرئة نفسه من هذه الأموال، على أنها تخص أسرته قبل أن يصل إلى منصبه، وأنه لا علم له بها على اعتبار أنه لا يملكها. وغير ذلك من التبريرات. ورغم أنه حقق الهدف بالفعل من هذه التبريرات، إلا أن المسألة بقيت عالقة به، سواء نجح أم فشل.
ما يجعل "أوراق الجنة" خطيرة بتداعياتها، أنها تختص بـ19 ملاذا آمنا. كما أنها لن تتوقف عند الكشف عنها فقط، خصوصا أنها لا تتضمن تفاصيل استثمارات تنظر لها المؤسسات الدولية على أنها مشينة حقا، بما في ذلك أموال للملكة البريطانية نفسها، استثمرت في أعمال اعتمدت على استغلال العائلات الفقيرة، وغالبا ما تكون هذه العائلات في بلدان فقيرة جدا، إلى جانب عدم مراعاة قوانين التشغيل وغير ذلك. "الأوراق" كشفت كثيرا من الأعمال المريبة، وعن شخصيات لا تزال في قمة السلطة بما في ذلك رئيسي الولايات المتحدة وروسيا. والمصيبة الأكبر لا تكمن في الكشف عن الأموال في الملاذات المذكورة، بل في تفاصيل الاستثمارات التي يقوم بها أصحابها، ما يحول المسألة من تهرب ضريبي مريب لكنه مشروع، إلى سلوكيات استثمارية مشينة.
مع الضغوط الناجمة عن "الأوراق"، أسرعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى التعهد بمعالجة المخططات التي يتم عبرها التجنب الضريبي. لكن مهلا، هل تستطيع القيام بذلك فعلا؟ لا لن تستطيع، والسبب أنها تقود حكومة ضعيفة جدا تتعرض للتشتت بصورة مستمرة. كما أنها "أي ماي" صارت منذ أشهر أضعف من حكومتها. ستبقى كلماتها للاستهلاك الإعلامي فقط. الخطوة الأهم من "ماي" وغيرها من القيادات حول العالم، أن تكون هناك حملة دولية موحدة، على غرار تلك التي أطلقت في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية واستهدفت التهرب الضريبي، وركزت على الملاذات الضريبة الآمنة على وجه الخصوص، بشرط أن تكون مستدامة. فالحملة المشار إليها، سرعان ما خبت بعد أن تراجعت ضربات وتداعيات الأزمة العالمية.

إنشرها