من الذي أيقظ العملاق؟

|

تحتل السياسة المالية في منظومة الاقتصاد مكانة مهمة جدا حيث تهدف الدول من خلالها إلى التأثير في الاقتصاد عبر التأثير في الطلب الإجمالي وتشغيل الموارد ومعها يتغير الناتج المحلي، وتتخذ السياسة المالية اتجاهين إما سياسة مالية توسعية أو سياسة مالية تقشفية، ولكل منهما أهداف وأدوات تستخدم حسب الحاجة ووضع الاقتصاد، وبشكل تقليدي، كانت وزارة المالية هي الجهة الوحيدة لتحديد وتنفيذ السياسة المالية حيث يتم تحديد الإنفاق من حيث الحجم والطريقة والجهة بالتنسيق معها وجدولة المشاريع ومن ناحية أخرى هي التي تحدد حجم إصدارات الديون وتوقيتها وهو أمر طبيعي ومنطقي، لكن يلاحظ اليوم أنه بدأ دخول جهة أخرى منفصلة تقوم بعمل يتوافق مع أدوات السياسة المالية وهي صندوق الاستثمارات العامة.
في عام 2015 تم إعلان انفصال الصندوق عن وزارة المالية وانتقال الإشراف عليه إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وبعد ذلك تم تأسيس مجلس إدارة يرأسه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وبهيكلة جديدة وتنظيم وحوكمة عالية ليتم إطلاق الصندوق بشكل مغاير تماما لما كان عليه سابقا، حيث كان الصندوق ينتهج سياسة استثمارية متحفظة جدا مع عدم وجود أهداف استثمارية واضحة ولا يوجد أي تأثير بأي شكل كان في الشركات التي كان يستثمر فيها، حيث اقتصر حضوره بخمول عجيب وبممثلين شكليين في مجالس الإدارات دون محاولة تعديل أو التأثير في هذه الشركات رغم الملكية الكبيرة فيها، اليوم ومع التغيير الكبير في الهيكلة ووضوح الأهداف سوف يأخذ الصندوق زمام المبادرة في فرض رؤيته على الشركات المستثمر فيها ليفعلها ويزيد من كفاءتها ومن عوائدها، لكن إلى هنا والصندوق يظل في زاويته كمستثمر، وهذا ليس كل ما لدى الصندوق، فحسب الإعلانات في آخر ثلاثة أشهر، سوف يقوم الصندوق بالاستثمار وإدارة مشاريع ضخمة جدا وغير معهودة في المملكة في إطار ليس له علاقة بالإنفاق الحكومي التقليدي عبر وزارة المالية بل قد يقارب -وهذا محتمل- ما سوف ينفقه الصندوق مع شركائه من القطاع الخاص على مشاريعه ما تنفقه وزارة المالية على بنود المشاريع -وليس على التشغيل والرواتب- وهو بكل تأكيد إنفاق عال يعزز ويؤثر في السياسة المالية، سواء عبر إنفاقه على مشاريع البنية التحتية أو مشاريع الطاقة أو تأسيس شركات كبيرة في عدة قطاعات، كل ذلك سوف يؤثر في إجمالي الطلب داخل الاقتصاد ويعزز السياسة المالية التوسعية، إضافة إلى ذلك الصندوق بدوره سوف يلجأ إلى الاقتراض في حال الحاجة عن طريق إصدار صكوك لأصول معينة وهذه أداة من ضمن أدوات السياسة النقدية، ومتوقع طبعا أن إصدار أدوات الدين لا علاقة له بمكتب الدين العام التابع لوزارة المالية، وكما نعلم أن أدوات التمويل للصندوق تأتي من عدة مصادر أولها من الدولة بشكل مباشر إما عن طريق التحويل من الاحتياطي أو تحويل عوائد عملية التخصيص إليه أو عن طريق إعادة استثمار الأرباح والعوائد المتحصلة من الاستثمارات أو أخيرا عبر أدوات الدين.
إذن حسب اعتقادي أن التناغم بين الصندوق ووزارة المالية موجود وسوف يزيد مع الوقت مع العلم أن كلتا الجهتين تتبعان الحكومة لكن يجب فهم حجم التأثير مستقبلا وكيفية إدارة السياسة المالية والنقدية من المنظور الشامل وبالنظر إلى كلتا الجهتين دون إغفال نشاط وإنفاق الصندوق بالذات، وكيفية وحجم التأثير على الطلب الكلي والتضخم، خصوصا عند توافق سياسة وزارة المالية واتجاهها نحو التوسع فهنا سوف تكون قوتان دافعتان نحو سياسة مالية توسعية، كذلك ما هو الوضع عند اندفاع الصندوق نحو الاستثمار الداخلي وضخ سيولة وفي الوقت نفسه السياسة المالية والنقدية التقليدية تميل نحو التقشف سواء بتقليل الإنفاق أو زيادة الرسوم والضرائب أو إصدار أدوات دين.
ختاما: لا يمكن إغفال الدور المتعاظم للصندوق ودخوله كلاعب أساس وبشكل متواز للإنفاق الحكومي التقليدي في منظومة الاقتصاد المحلي وبكل تأكيد إن من المهم ربط نشاطه الاستثماري المستقبلي ومشاريعه مع السياسة المالية والنقدية على حد سواء، قد لا يتصور البعض حجم التغير الكبير في الاقتصاد أو في إدارة السياسة المالية في السنوات القادمة، أوكد أنه في حال نجحت عملية التحول الداخلي في الصندوق ونجحت المبادرات التي سوف يعمل عليها سوف نجد صندوق الاستثمارات العامة قد أخذ الزمام في إدارة الاقتصاد وأصبح المحرك الأكبر داخليا بحجم أصول ضخم وقدرات أكفأ وأسرع في التجاوب للمتغيرات الاقتصادية من البيروقراطية التقليدية وفاعلية غير مسبوقة في إدارة استثماراته المتعددة، وهو في تصوري العمود الفقري "ماليا" في "الرؤية السعودية 2030" وبدونه لن يتحقق كثير من الأرقام الاقتصادية المستهدفة، لذلك صندوق الاستثمارات العامة كعملاق كان خاملا لكن أيقظته يد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

إنشرها