أعظم أب

|

ظل الأب حائرا حيال اللعبة التي سيشتريها لابنه البالغ من العمر 11 عاما. أخذ يسأل جيرانه وزملاءه في العمل وحتى معلمي ابنه عن هدية ذات جدوى تسعده ويقضي معها وقتا ممتعا. وقع اختياره بعد طول بحث وعناء على علبة أدوات كيماوية. استقبلها ابنه بحفاوة ثم أخذ يجري التجارب عليها. وضع مكونات مع بعضها وخلطها معا. بات الفتى الصغير مأخوذا بهذه العلبة على نحو بالغ. يقضي معها وقتا طويلا. أصبح يهتم بها أكثر من مواده الدراسية. حضته هذه العلبة المثيرة على الإبحار في كتب الكيمياء؛ للحصول على إرشادات تقوده إلى صناعة ألعاب نارية ومواد تحدث أصواتا وأشكالا لافتة. الهدية التي جلبها له أبوه أرسلته إلى مختبرات الكيمياء الواقعية بعد أن انغمس في التخيلية. من تلك اللحظة اندلع شغفه بالعلوم التجريبية. لم يتوقف الأب عند هذا الحد. بحث عن أستاذ كيمياء مرموق يجلس مع ابنه ليجيب عن أسئلته ويمنحه قليلا من وقته. اقتنص من العالم البريطاني الكبير فريدريك سانجر (حصل على نوبل في الكيمياء مرتين في عامي 1958 و1980) عدة لقاءات زادت من شغف الابن بالكيمياء. أتاح له العالم الكبير التجول في مختبره وعقله حتى أضحى بطله. كان رفاق الفتى اليافع يعلقون صور نجوم كرة القدم على جدران غرفهم بينما الشاب ريتشارد جون روبرت يضع صورته مع سانجر. يصفه ريتشارد: "البروفيسور سانجر متواضع ومبتسم. يبسط الأمور. يجعلك تفهم كل شيء بسرعة. أحببته وأحببت الكيمياء بسببه".
درس ريتشارد العلوم في جامعة شيفلد وحصل على الدكتوراه في الكيمياء. وفي عام 1993 حصل على نوبل للطب.
نتساهل في قيمة وأثر الهدية التي نعطيها لأطفالنا وإخوتنا غير مدركين أنها قد تغير مسار حياتهم تماما. فهذه العلبة كانت نقطة تحول في حياة ريتشارد. ما أعظم هذا الأب الذي لم ينحز إلى الأسهل ويلتقط أقرب لعبة من على الرف. لقد لاحق أصدقاءه وجيرانه حتى معلمي ابنه ليفوز بفكرة ترشده إلى هدية ثمينة. هذا العناء القصير تحول إلى هناء كبير. ليس بالضرورة أن يصبح ابنك عالما، لكن بتوفيق الله سيصبح مميزا متى ما حظي باهتمامك ورعايتك الذكية.
تذكروا أن أبناءكم بذرة، كلما رويتموها جيدا ارتفعت وأثمرت جيدا.

إنشرها