«الحديث النبوي».. عودة العلم إلى موطنه

|

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمرا ملكيا يقضي بإنشاء مجمع باسم "مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف" يكون مقره المدينة المنورة. هذا العنوان يغني عن مقالات وكتب، وأي حديث عنه سيقصر عن بلوغ تأثيره وقيمته، ولكن من المؤكد جدا أن هذا القرار يمثل حدثا تاريخيا كبيرا، ومنذ إنشاء مكتبة دار الحكمة في بغداد قبل أكثر من ألف عام، لم تشهد الأمة الإسلامية حدثا يقارب هذا الحدث في الأهمية العلمية، ولو أن العباسيين في ذلك الحين أنشأوا دارا للحديث والسنة النبوية – كما فعل الملك سلمان اليوم ـــ لما وصلت الأمة إلى حال من التشتت في التأزم الذي وصلت إليه الآن. وإذا كان الأمر الملكي بإنشاء مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف، له دلالات تنطوي على حكمة بالغة، من أجل إحياء السنة وفق أسس علمية منهجية مؤسسية لطباعة الحديث الصحيح ونشره كتب الحديث في بقاع الأرض المختلفة، فإن جوهر الأمر الملكي هو إعادة بناء العلم والتاريخ الإسلامي من خلال ردم الفجوات العلمية الكبرى التي شهدتها الأمة وشتت الجهود وأوجدت صراعات دموية كبرى، ذلك لأن الحديث النبوي ـــ كما نص عليه الأمر الملكي ـــ له مكانة علمية كبرى لدى المسلمين، كونه المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم.
لقد شهد الحديث النبوي جدلا كبيرا منذ أن وقعت الأحداث الكبرى بعد مقتل عثمان بن عفان ـــ رضي الله عنه ـــ، وانقسمت الأمة إلى فرق، واعتبرت كل فرقة أن ما لديها من الحديث هو الصحيح، بينما لم يكتب الحديث إلا بعد وفاة النبي محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ بأكثر من قرن من الزمان، ودار جدل واسع حول السند والمتن وانقدحت مصطلحات واسعة ومناهج علمية كثيرة وانتهت جميعها إلى كتب كثيرة في الصحيح والضعيف والتخريج وعلوم السنة النبوية وكتب أخرى ومدارس في الجرح والتعديل. ونظرا لأنه لم يتم إنشاء مكتبة ودار مؤسسية للحديث والسنة النبوية فقد انفلت العقال، ودار جدال واسع بين الأمة فتح المجال لظهور الخوارج، وفتن لا تعد ولا تحصى، بينما في المقابل ظهرت دار الحكمة التي تولى زمامها المعتزلة في ذلك العصر وبنوا من خلال ما منح لهم من عمل مؤسسي منذ تاريخ الأمة الإسلامية العظيم في العلوم التطبيقية التي غيرت وجه العالم كما نشهد اليوم، إذا كان من إنصاف اليوم فإن ما تنعم به البشرية من تقدم علمي باهر يعود في أصله إلى قرار هارون الرشيد في بناء دار الحكمة.
لهذا فإن العودة لتصحيح الخطأ التاريخي الكبير الذي وقعت فيه الأمة، سيعيدها إلى الطريق الصحيح وسيقطع الطريق من أساسه على كل دخلاء علم الحديث والسنة النبوية الذين تسببوا بجهلهم وقصصهم وأساطيرهم في بناء جيل متطرف أثر بشكل كبير في دور الأمة الإسلامية في تاريخ العلم. لقد جاء الأمر الملكي ليعيد الأمة إلى صوابها، ونحن نتوقع لهذا المجمع المهم مستقبلا عظيما وباهرا سيمتد إلى قرون مقبلة ـــ بإذن الله، وسيكون تأثيره هائلا في عودة العلم إلى مواطنه في المدينة المنورة. وكما خلد التاريخ اسم هارون الرشيد وعلماء دار الحكمة سيخلد التاريخ اسم الملك سلمان وعلماء مجمعه للحديث والسنة النبوية، فهذا المجمع سيصحح الكثير وسيطبع الكثير وسيجتمع فيه خيرة أبناء الأمة من العلماء البارزين الذين سيعملون على كشف المفاهيم المكذوبة عن النبي الكريم محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ التي توصل بها من توصل إلى تمزيق هذه الأمة، وسيكون هذا المجمع مثل مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم منارة للإسلام تشع النور للعالم.

إنشرها