تحليل مع «ساندويتش»

|

أظهر تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" قصة مصري هاجر للولايات المتحدة واتخذ من مهنة التحليل السياسي للقنوات المصرية مهنة رديفة لمصدره الأساس في كسب العيش وهي صنع الساندويتشات. يذكر التحقيق أن المحلل السياسي سافر إلى الولايات المتحدة، وبدأ يكتب مقالات لبعض الصحف المصرية يحلل من خلالها الأوضاع الدولية ويقدم توقعاته، لاقت المقالات قبول كثير من القراء.
استضافت إحدى القنوات الكاتب ليتحدث عن قضايا سياسية، وكان المحلل يتحدث من غرفته التي تمثل الشقة التي يعيش فيها ويضع خلفية للقاءاته خرائط سياسية، ويبدأ في التوقع وتقديم رأيه في المشهد السياسي الدولي. أصابت بعض توقعاته وأخطأت أخرى لكنه يظل حالة يمكن من خلالها قراءة الإعلام العربي المتعطش للمعلومة المقبلة من الخارج، وبسعر بخس.
قيام هذه القنوات باستضافة شخص غير متخصص وحديثه عن أمور كثيرة لا يمت تخصصه في اللغة الإنجليزية إليها بصلة، هو حال كثير من القنوات التي تحاول أن تملأ الوقت بما يضمن مزيدا من المشاهدة، على أن تكون التكلفة هي المحدد الأهم لمن يستضاف، وهذا يهدم المفاهيم الإعلامية التي يدرسها طالب الجامعة التي ترتكز على المصداقية والتخصص.
يمكن أن نجد أمثلة كثيرة في قنواتنا اليوم، أولئك الذين يمتهنون الحديث في الشأن العام ولديهم من حسن البيان والقبول الشكلي ما يسمح لهم بأن يضمنوا أعدادا أكبر من المشاهدين وهذا ما تبنى عليه هذه القنوات. استخدام المصطلحات الجاذبة للجمهور واللزمات القوية واللغة الواثقة، مكنت كثيرين من تسيد المشهد والحصول على دقائق ثمينة على وسائل الإعلام العربية.
المهم هنا هو الجزئية الشخصية التي لا تمت للتخصص، وهذا ما يؤدي لتسميم الفهم العام للقضايا وتحييد الوقائع والتركيز على التأثير النفسي لتحقيق التغيير المطلوب لدى المشاهد. ما نلاحظه من صدمات تواجه الفهم العام العربي لما يدور حوله، ليس نتيجة عدم وجود الدلائل والمسببات التي توصل لنتائج معينة، وإنما هو نتيجة عدم تواصل المتلقي مع الواقع بحكم وقوعه ضمن مجموعة من المشاهدين الذين يحدثهم من لا يعلم بما لا يعلم.
لست ضد أي مهنة شريفة، لكن التخصص في أي مجال هو الأساس الذي يجب أن نبني عليه العلاقة بين المتلقي ومن يتولى عملية التعريف بالواقع.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها