محليات

الرياض وموسكو .. ندّية ناضجة لم ترضخ لأيديولوجيا أو استعمار

منذ انطلاقها والعلاقة السعودية ـــ الروسية تتسم بالندية، مقارنة بعلاقات أخرى، تبعية بالمعنى الأيديولوجي الاشتراكي أو هيمنة استعمارية بالمفهوم السياسي، شهدتها تلك الحقبة التاريخية بين الدول العظمى ومنها روسيا، وكثير من الدول العربية والأجنبية. ندية ناضجة جعلت موسكو تبادر من ذاتها كأول دولة عظمى تعترف بالدولة السعودية بعد بطولات سطرها المؤسس وأقرها العالم. وصولا إلى اتفاقية تاريخية فارقة لضبط إنتاج النفط بتوجيه الملك سلمان ورعاية ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، غلبت الحكمة والمصلحة العامة على تفاوت الرؤى السياسية بين الدولتين في بعض ملفات المنطقة.

المؤسس وحكيموف
وبالعودة لتاريخ التأسيس، لا تذكر العلاقات السعودية ـــ الروسية إلا ويذكر معها المبعوث الروسي عبدالكريم حكيموف، الذي سعى بنفسه ودون طلب من المملكة إلى الرياض قادما من جدة حيث القنصلية الروسية السابقة على التأسيس السعودي. ليقدم للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن 19 شباط (فبراير) 1926 اعتراف روسيا بدولة سعودية فتية كان اسمها حينذاك مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها. وبذلك تكون روسيا أول دولة عظمى في العالم تعترف بالدولة السعودية الثالثة. تبعها بعد ذلك على التوالي بريطانيا وفرنسا وألمانيا ثم أخيرا الولايات المتحدة الأمريكية.
وبينما تردد كثير من الدول في مبادرة الاعتراف بالسعودية الفتية آنذاك، مشككين في استمرار توحيد البلاد وتوثيق عراها على يد المؤسس. كانت روسيا سباقة إلى قراءة أحداث المنطقة وتوقع مآلاتها القيادية. لتؤكد إيمانها بقدرة الملك عبدالعزيز، ومصداقيته التي أثنى عليها كثيرا المبعوث الروسي حكيموف الملقب، منذ قدومه إلى أراضي الحجاز، بالباشا الأحمر.

تجاوز المخاطر
إذن هي علاقة اتسمت بالندية والموثوقية السياسية منذ البدء ولم تشبها أو تعكرها مخاوف استعمارية طغت على كثير من العلاقات القائمة بين الدول الأخرى المجاورة والبعيدة في فترة تاريخية شهدت أيديولوجيات متنوعة وحروبا عالمية لا يمكن تجاوز خطورة ارتداداتها على دول المنطقة والعالم.
وفي المقابل وثق الملك عبدالعزيز بالدولة الروسية انطلاقا من ثقته بمبعوثها حكيموف مرحبا بالمضي قدما في هذه العلاقة. لتنطلق العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين باستيراد الأخشاب والحبوب والطاقة المتمثلة ذلك الوقت في الكيروسين من موسكو مباشرة وصولا إلى ميناء البحر الأحمر في جدة. إلى أن تبدلت الأحوال وأصبحت روسيا نفسها تستورد الطاقة والحبوب ـ خصوصا القمح من المملكة العربية السعودية.

ثقة ومصداقية
الأيام دول وكذلك هي العلاقات بين الدول. إلا أن أساس العلاقة المتين يبقى قائما على مبدأي الثقة والمصداقية رغم تعدد المصالح السياسية وتفاوت اتجاهاتها. وهذا ما تؤكده العلاقة السعودية الروسية يوما بعد آخر وعلى مدار عقود تقاطعت فيها المصالح حينا والتأمت حينا آخر.
فرغم التباين الملحوظ في بعض النقاط السياسية حول سورية تحديدا، إلا أن ذلك لم يمنع السعودية الحديثة برؤية الملك سلمان ودبلوماسية ولي عهده النشطة من عقد اتفاقية نفطية مهمة لضبط الإنتاج وتوجيهه بين روسيا من جهة ودول "أوبك" والسعودية من جهة أخرى أسهمت بدورها في ضبط أسعار النفط المتدنية عالميا. وصولا اليوم إلى توقيع اتفاقيات تجارية واقتصادية بين البلدين بمئات الملايين، تأكيدا على سياسات مستقبلية تغلب الحكمة وتنمي المصالح. وهذا لب العلاقات الدولية السياسية الناضجة بين الحكومات والدول.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من محليات