الاقتصاد السعودي والأرقام الحقيقية

|

يسير الاقتصاد الوطني السعودي بصورة واقعية مستندة إلى أسس متينة، على الرغم من الهزات التي واجهت وتواجه الاقتصاد العالمي ككل، وتراجع أسعار النفط بصورة كبيرة، وبقائها عند حدود متدنية. والمملكة تمضي قدما في بناء اقتصادها الجديد، على الرغم من بعض العوامل السلبية التي حدثت عالميا، وهي تعتمد في ذلك على "رؤية المملكة 2030" ومخرجاتها، إضافة إلى سمعة اقتصادها التي ظلت محافظة عليها حتى في عز الهبوط الكبير لأسعار النفط في الأسواق العالمية. وهذه السمعة، هي في الواقع تمثل قوة مساعدة للتنمية المستدامة السائرة بسرعات مختلفة واقعية، إلى جانب الانفتاح الاقتصادي التاريخي الكبير الذي اعتمدته السعودية، ما يدعم مسار تنويع مصادر الدخل. وهذه الأخيرة تمثل العصب الرئيس لـ "رؤية المملكة"، من أجل الوصول إلى الاقتصاد الوطني الكلي.
ومن هنا يمكن قراءة التقرير السنوي الأخير لمؤسسة النقد العربي السعودي، عن التطورات الاقتصادية والمالية في العام الماضي. ورغم أن الناتج المحلي شهد نموا سالبا بالأسعار الثابتة نتيجة للتراجع في نمو القطاع النفطي، إلا أن هذا التراجع لم يتعد 0.5 في المائة، وهي نسبة مقبولة في ظل الظروف المحيطة بالمشهد الاقتصادي العام، لكن الاقتصاد الوطني حقق نموا إيجابيا بلغت نسبته 1.7 في المائة. وتجلى حرص القيادة على الارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين، في إبقائها على وتيرة الإنفاق العام بأكثر من 830 مليار ريال، وهذا الإنفاق أسهم مباشرة في تخفيف أثر انخفاض أسعار النفط. والقيادة تمسكت منذ بداية تدهور أسعار النفط بمستوى الإنفاق العام، حتى وهي تنفذ استراتيجيتها الاقتصادية الشاملة.
حققت السعودية تقدما كبيرا في العام الماضي على صعيد القطاع المالي، بما في ذلك ارتفاع نمو عرض النقود، وصعود موجودات المصارف التجارية لتبلغ أكثر من 2.5 تريليون ريال، وارتفاع الائتمان الممنوح للقطاعين العام والخاص، فضلا عن ارتفاع كفاية رأس المال، الذي بلغ مستوى أعلى من الحد المعروف بـ "معيار بازل". والقطاع المالي يمثل بالضرورة محورا رئيسا في حراك التنمية الوطنية السعودية، ليس فقط فيما يخص المؤسسات والجهات الوطنية، بل أيضا من جهة استقطاب حراك مالي أجنبي جديد، تجلى في وصول مصارف أجنبية جديدة إلى السوق السعودية، واستعداد عدد آخر من المؤسسات المالية لدخول هذه السوق. وهذا الحراك المالي الجديد وذاك المتجدد، يصب في سياق البناء الاقتصادي ككل، ويظهر دائما حقيقة القوة التي تستند إليها البلاد من الناحية الاقتصادية.
ومن هنا يمكن النظر إلى تقرير "مؤسسة النقد" من الناحية العملية لا النظرية. هناك تطور متزايد على مختلف الأصعدة للاقتصاد السعودي، وهذا التطور جزء لا يتجزأ من "رؤية المملكة"، التي مثلت في الواقع حافزا ليس للسعوديين فحسب، بل لكل من يرغب من الجهات الدولية في الوصول إلى سوق المملكة في كل قطاعاتها. وكما هو معروف، فإن الوضعية المالية تبقى الركن الرئيس في الحراك، والدافع الأقوى للاستثمارات الأجنبية. وفي الوقت الذي اهتزت فيه اقتصادات دول نفطية عديدة جراء تقلب قطاعاتها المالية نتيجة تراجع أسعار النفط، كانت المملكة تمضي قدما وتحافظ على سمعتها الائتمانية والمالية.

إنشرها