الخصخصة في الميزان .. كيف نستفيد؟

|

خلال السنوات القليلة المقبلة ستجرى في السعودية واحدة من أكبر عمليات الخصخصة حول العالم، حيث تعتزم الحكومة تخصيص عديد من المرافق العامة وفي عدة قطاعات، وذلك لتحقيق عدة أهداف اقتصادية عامة. وخلال الفترة الماضية جرى كثير من الحديث حول الخصخصة ودار جدل بين مؤيدين ومعارضين لمشاريع الخصخصة، وهذا ليس بالجديد بل إن هناك انقساما بين الاقتصاديين حول الخصخصة ومنافعها وسلبياتها وإن كان في نظري الغلبة لمؤيديها، ولكل من الفريقين أمثلة يوردها تؤيد وجهة نظرهم، وسبق أن كتبت مقالا فصلت فيه منافع ومضار الخصخصة وانعكاساتها على السعودية في المستقبل، لكن مع احتداد النقاش هذه الأيام فمن المناسب التطرق لهذا الموضوع من جانب جديد وهو الإجابة عن سؤال هل الخصخصة هي الأنسب للوضع الاقتصادي الحالي للسعودية؟
الإجابة في رأيي الشخصي نعم، أما الأسباب فهي أن إدارة الحكومة للقطاعات أخذت حقها خلال العقود الماضية بأداء متقلب لكنها كانت أقل من الطموحات، وخلال السنوات الأخيرة أصبحت متثاقلة وبتكلفة عالية، ويكفي الاطلاع على الارتفاع الكبير في الميزانيات خلال السنوات العشر الأخيرة. وباستبعاد الإنفاق الرأسمالي (المشاريع) نجد أن الإنفاق التشغيلي (الرواتب وعقود الصيانة) ارتفعت بشكل قوي جدا وأصبحت تستهلك أغلب الميزانية وبمخرجات أقل من المتوقع، خاصة في التعليم والصحة وغيرهما. وما يعزز هذا الافتراض هو مقارنة التكلفة التشغيلية لكل سرير في القطاع الحكومي مع الخاص، وكذلك تكلفة الطالب في السنة في القطاعين، وهذا يؤكد عدم جدوى الاستمرار في هذا الإنفاق التشغيلي وعلى هذه المخرجات. ثانيا من المعروف أن الفساد أعلى في القطاعات الحكومية منه في القطاع الخاص وذلك في جميع دول العالم وهذا يدعم الاتجاه إلى الخصخصة وفرض مزيد من السيطرة على أي فساد قد ينتشر. ثالثا الكفاءة، في أي حال من الأحوال أعلى في القطاع الخاص؛ حيث المنفعة الاقتصادية تتحكم في القرارات بعيدا عن تأثيرات السياسة التي تضغط على الحكومات في كثير من الأحوال وتحول القرار من المنفعة الاقتصادية إلى الجانب العاطفي أو السياسي وما لهذا من تأثير في أداء المنشأة. في نهاية الأمر، إن عدم المؤيدين للخصخصة لديهم الكثير للنقاش في هذه النقاط ومنها أنه غير صحيح أن الخصخصة تقضي على الفساد والدليل تجارب الخصخصة في روسيا وأمريكا اللاتينية وهذا صحيح، وكذلك للكفاءة سيحاجون بأن الكفاءة يمكن رفعها من خلال ضغط الناخبين على الحكومات المختارة. أعتقد أن أفضل رد عليهم هو أن القضاء على الفساد من عدمه يعتمد على البيئة والمحيط وعلى القائمين على عملية الخصخصة فهم، عبر التشريعات والرقابة، من يمنع ظهور الفساد أو يهيئ البيئة المناسبة له عند انتقال هذه المرافق إلى القطاع الخاص، وهذا ما يفسر نجاح الخصخصة في دول كثيرة وفشلها في دول أخرى. أما بالنسبة لإمكانية رفع الكفاءة عن طريق الضغط على الحكومات المنتخبة فهذا كلام نظري، وعند الرجوع إلى عالم الواقع فمن الصعب تطبيقه أو حدوثه وإذا حدث سيكون "مؤقتا" ولا يمكن التعويل عليه كنموذج يعتمد عليه خصوصا مع دهاليز السياسيين ومعارك الانتخابات والتلاعب بالناخبين. وعند النظر إلى الحالة السعودية ومقارنتها بدول أخرى تتميز بأن القطاع العام أقوى وأعلى كفاءة وأقل فسادا مثل الدول الأوروبية وشمال أوروبا اتخذت القرار بتخصيص كثير من قطاعاتها سعيا نحو "زيادة الكفاءة"، فإن من الواضح أن الاتجاه بسيطرة الحكومة على المرافق والقطاعات يعوق النمو في زمن تتسارع فيه التغيرات التقنية والاقتصادية بطريقة لا يمكن للقطاع العام الحكومي مواكبتها. لدينا في السعودية مثالان للخصخصة أحدهما "ناجح" والآخر "فاشل" وهما قطاعا الاتصالات وشركة المياه. إن من الأهمية دراسة نجاح وفشل هذه القطاعات لتعديل الخصخصة المقبلة والاستفادة مما حصل. إن خصخصة قطاع الاتصالات نجحت وبكل المعايير (رغم وجود بعض الملاحظات)، فمن ناحية المستهلك فقد انخفضت الأسعار وبشكل متسارع، ومن جهة أخرى زادت المنافسة بين الشركات وزادت الجودة، وأصبح الحصول على الخدمة أمرا سهلا وتكلفة معقولة وجودة جيدة (طبعا مقارنة بوضع السوق قبل عقدين مع وزارة الاتصالات قبل الخصخصة) ناهيك عن مليارات الريالات كعوائد سنوية لخزانة الدولة، وكذلك سقوط تكلفتها من الميزانية وهذا جانب ناجح من الخصخصة، والسبب في الحكم بالنجاح استفادة ورضى جميع الأطراف من العملية (الحكومة والمواطن)، لكن على الجانب الآخر خصخصة بعض مرافق المياه وإنشاء شركة المياه لم تكن في مستوى الآمال؛ حيث لم تقدم خدمة جيدة للعميل ولا تكلفة أقل، بل على العكس فقد ساءت خدماتها، وزيادة على ذلك، حققت خسائر أكلت أغلب رأسمالها وهو الجانب الذي لا نريد تكراراه أبدا أو حدوثه مع حالات الخصخصة المقبلة. أعتقد أن تجربة وزارة المياه مع شركة المياه يجب دراستها بعمق ومعرفة كيف نتج لدينا منتج مشوه بهذا الشكل، وبالتالي كيف نمنع حدوثه مستقبلا ونحسن من منتجات الخصخصة كما يراد منها.
ختاما، ورغم كل الجدل "وهو صحي على أي حال" يجب الانتباه وعدم التعجل في طروحات الخصخصة "رغم أهميتها للاقتصاد السعودي اليوم وكما بينت في المقال"، حيث إن لدينا تجربتين في السعودية إحداهما نجحت وبكل المعايير والأخرى أخفقت "في نظري الشخصي"، وهما درس ممتاز نستطيع استخلاص كثير من العبر وأسباب الفشل والنجاح للخصخصة، ولعل أبرز أسباب النجاح والفشل هي طريقة الطرح والإدارة والرقابة، حيث تمت خصخصة الاتصالات بملكية كاملة ومن ثم بيع حصص للمواطنين ومن ثم فتح السوق للمنافسين وبالتالي أصبحت المنفعة الاقتصادية تدير الدفة، وهيئة الاتصالات تراقب وتشرف وتقنن ولا ترأس أو تدير أيا من هذه الشركات، بينما في شركة المياه لم يحدث كل هذا، حيث تم تحويلها لشركة مملوكة للحكومة فقط وبإشراف ومراقبة ضعيفة من الوزارة "كرئيس مجلس إدارة"، فأصبح الوضع أن وزارة الزراعة والمياه والبيئة هي المشغل والمراقب والمقنن وهي (في الوقت نفسه) من ترأس وتدير مجلس إدارة شركة المياه وهذا التداخل في المصالح والأعمال والإشراف أحد أهم أسباب عدم نجاح تخصيصها.

إنشرها