العقار .. والضبابية في الأنظمة

|

نفرح كثيرا كمواطنين بأن هناك تحركا واضحا نحو التطوير والتحسين، واستحداث الأنظمة والتشريعات المحفزة للقطاعات المختلفة من قبل الجهات الرسمية والتنفيذية، والقطاع العقاري ليس مستثنى من هذا الأمر، وشهدنا عديدا من الأنظمة التي كانت السوق بحاجة إليها، لكن في المقابل، هناك أنظمة أخرى تمثل عائقا كبيرا وتعمل ضد الأنظمة المحفزة، ولا شك أن السوق العقارية تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بالأنظمة الصادرة عن الجهات الرسمية المختلفة، وقد تطرقت في مقال سابق بعنوان "تأثير القرارات الحكومية في سوق العقار"، وأوضحت أن القرارات الحكومية لا بد أن ترتبط ببعضها للوصول إلى الهدف الأسمى للقيادة العليا، وقد نتمكن من التماس العذر للمسؤول سابقا أنه يحاول الاجتهاد وبذل ما يستطيع في منظمته، ولا توجد رؤية أو برنامج وطني معلن بأهداف تفصيلية واضحة، يستطيع من خلالها التحرك بانسجام مع الجهات الأخرى، لكن الآن اتضحت الأهداف والتوجهات على مستوى الأفراد، فمن باب أولى أنها واضحة للمسؤولين والقيادات التنفيذية في الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة، وهناك ورش عمل تتم كل فترة ويشارك فيها جميع العاملين في الجهات الحكومية، ليكون من خلالها التعاون والالتزام بين جميع الأطراف بما يخدم المصلحة العامة ويحقق التوجهات المطلوبة للتنمية، لكن نفاجأ دائما بمن يغرد خارج السرب ويحاول أن يحل مشكلته دون التفات واعتبار لمشكلات أخرى، ودون دراسة آثار المشكلة في مستوى أشمل وأعم، وكذلك نجد بعض الجهات التي تصدر الأنظمة وتؤكد حرصها على التواصل مع المستفيدين والراغبين في الاستفسارات الجوهرية والمتخصصة، ثم تفاجأ بأن الإجابات غير موجودة مع قرب التطبيق، وأن التنسيق ما زال يجري لحل إشكالات أساسية في تطبيق النظام، وهنا سأسلط الضوء على نظامين يمسان القطاع العقاري، وكيف أن التعامل معهما تم بشكل غير احترافي بتاتا على الأقل، من خلال احتكاكي بها، وهما ضريبة القيمة المضافة وما يتعلق بخصوصها بالقطاع العقاري، وكذلك الاشتراطات والمتطلبات التخطيطية لمواقف السيارات.
سأبدأ بالموضوع الأهم وهو ضريبة القيمة المضافة بالنسبة إلى العقار، والإشكال الكبير هنا عدم التأكيد حتى الآن من استثناء المعاملات العقارية السكنية من الضريبة، وما هو مؤكد حتى اليوم أن التأجير السكني مستثنى، لكن شراء الفرد أرضا كيف سيعامل، وهل سيتم فرض الضريبة عليه، فالإجابة مبهمة، وللأسف إنني لم أتلقَ أي رد من القسم المختص بضريبة القيمة المضافة في هيئة الزكاة والدخل، وقد أرسلت أكثر من بريد إلكتروني، واستفسرت عن طريق حسابهم في "تويتر" وكذلك زرت منصتهم في معرض "بيبان" لكن لا توجد أي إجابة واضحة، وهنا نتحدث عن أمر ليس بالهين، وهو رفع تكلفة المعاملة العقارية ثلاثة أضعاف، فبعد أن كانت تكاليف الصفقة على الفرد 2.5 في المائة وهي السعي، فستكون 7.5 في المائة بإضافة ضريبة القيمة المضافة، وهذه نسبة لا يمكن الاستهانة بها وعبء ليس بالقليل ليتحمله المشتري، ولذلك لم يحملها كثير من الدول التي تطبق ضريبة القيمة المضافة على المشتري الذي سيستخدم العقار لأغراض شخصية، خاصة لمن يقوم بامتلاك عقار سكني لأول مرة، وهذا يوضح أن هذه الشريحة لا بد أن تستثنى، لكن في المقابل لا بد أن يتم التنبه إلى أن الأراضي السكنية عرضة للمضاربات، وإضافة عبء الضريبة على المشتري ستجعله يعيد التفكير في مدى جدوى المضاربة في الأراضي السكنية، وهذا مطلوب في سوقنا حاليا، لكن المهم كيف يتم ضبط المعايير المتعلقة بهذه العمليات وتمييز المواطن الذي سيشتري لغرض البناء الشخصي والمشتري لغرض المضاربة، وهنا تكمن أهمية معرفة التفاصيل واستيضاحها ممن سيطبقها بعد أشهر لكنه لا يملك إجابة على الأقل حسب تجربتي الشخصية، وهذه معضلة تحتاج إلى ضبط، فليس أسوأ من استخراج نظام مضر إلا تطبيقه بشكل أشد ضررا وسوءا على الاقتصاد.
أما موضوع متطلبات مواقف السيارات للعقارات التجارية، الذي قامت أمانة مدينة الرياض بتوجيه البلديات بعدم صرف الرخصة المهنية للمحال القائمة إلا بعد استيفاء الاشتراطات للمواقف، فوجه الاستغراب من الإجراء هو لماذا يتم إلحاق الضرر بصاحب النشاط، وهو المستأجر الذي ليس لديه أي صلاحية على العقارات، لأن الإجراءات التخطيطية والمعمارية مسؤولية مالك العقار بشكل كامل؟ ولماذا يتم فرض هذه الاشتراطات على عقارات تم إنشاؤها وتشغيلها من سنوات؟ والأهم من ذلك لماذا لا يفرض هذا الأمر بعد أن تكتمل شبكة النقل العام ويمكن من خلالها أن تقل أعداد السيارات في الأماكن المكتظة؟
الخلاصة، كثير من التساؤلات يطرح من أصحاب العلاقة بمثل هذه الأنظمة التي يريد المسؤول فرضها بشكل مباشر، وتعطيل أمور أخرى متعلقة بها دون مراعاة التدرج، الذي يعد مهما جدا في مثل هذه الحالات، حتى تستطيع السوق والقطاع المستهدف التكيف معها، ولذلك سيستمر السؤال: متى ستنتهي الضبابية والاجتهادات في إقرار بعض الأنظمة وتنفيذها؟ ومتى ستتم مشاورة أهل القطاع والمتخصصين قبل الإقرار، لتفادي الإشكالات أو الحاجة إلى التراجع بعد الإقرار والتسبب في الربكة؟

إنشرها