عشر سنوات لمقالات النفط

|
سيكون هذا المقال، بإذن الله، ختام المقالات الأسبوعية التي امتدت لأكثر من عشر سنوات وتجاوزت 500 عنوان، وذلك لأسباب شخصية. وقد أعود إن شاء الله للكتابة بعد مدة غير محدودة، عندما أنتهي من المهمة التي ستستحوذ على وقتي لفترة طويلة. وأقدم شكري وامتناني للإخوة القائمين على «الاقتصادية»، أو صحيفة النخبة، على ما قدموه لنا من التسهيلات وعلى تحمل أعباء ما نكتب، من أمور ومواضيع قد لا يتفق معها كثيرون من قراء ومسؤولين. وكانت نسبة كبيرة من مقالاتي تتعلق بالبترول، ماضيه ومستقبله، مراحل استكشافه وطرق إنتاجه، وأحيانا هدره ممن لا يعرفون قدره. فللبترول في عصرنا الحديث فضل، لا يضاهيه أي مصدر آخر، على التقدم الصناعي والتقني ورفاه الحياة، على مستوى العالم. أما في منطقة الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص شعوب الخليج، فقد أنقذها بفضل من الله، من الهلاك الصحراوي المخيف ونقل حياتها من شظف العيش إلى الرفاه الذي تعدى حدود المعقول لكثيرين منا لم نكن نحلم به. فغير نمط حياتنا وأكثر من نسلنا ووضعنا في حرج من أمرنا. كيف ذلك؟ لأن البترول فاجأنا بدخل كبير لم نكن حينها مهيئين لا اجتماعيا ولا اقتصاديا ولا علميا للتعامل معه ولا لمعرفة التصرف معه بحكمة. فأطلقنا العنان لجلب ملايين من أمم الأرض من أجل خدمتنا ومشاركتنا في دخله. ونسينا أو تناسينا أن دخلنا هذا على ضخامته، هو دخل مؤقت وله زمن محدود، نهايته مع نهاية البترول الناضب. إلا في حالة استيقاظ ووعي مبكر، فأنا أحاول توجيه النداء والنصح والتحذير إلى عامة أفراد المجتمع، وللمسؤولين اختيار ما يروق لهم مما نتحدث عنه. فإذا استطعنا رفع مستوى الثقافة البترولية، فمن المؤكد أن الوزير الجديد والمدير الجديد والمسؤول الجديد سيتصرفون بطرق مغايرة لما كان عليه الوضع سابقا من دون ثقافة بترولية علمية. ولذلك فنحن نأمل أن يكون هناك من يسمع ويستوعب ما نقول وما ندعو إليه من الأمور التي تخص مصالحنا ومستقبل أجيالنا التي سترث عنا هذه الأرض الصحراوية القاحلة. فالأمر جلل ولا يحتمل التأني، فقد نأتي على ما بقي من هذه الثروة ونحن لا نزال نفكر كيف نعيش من دون خيرات البترول. كانت معظم مقالاتي خلال السنوات العشر الماضية تدور حول محور احتمال انتهاء عصر البترول قبل أن نوجد لأنفسنا مصدر دخل ثابتا، مع استمرار النمو الهائل لعدد السكان. وهو ما سيضعنا في مأزق حرج، إما أن نعيش أو لا نعيش. وسواء انتهى بترولنا بالنضوب، كما يتوقع محدثكم من واقع خبرته في مجال الاستكشاف والإنتاج، أو بالاستغناء عنه حسب ظن بعض ممن يبنون توقعاتهم على التخمين الذي لا يستند إلى دليل قاطع ومقنع. ولكن بصرف النظر، فهدف الدعوة واحد، وهو الحذر من أن نصبح في يوم ما أمة لا تجد بين يديها ما يقيم أودها. فمن الواضح أننا اليوم نعيش وضعا غير طبيعي نعتمد في معظم شؤون وجودنا ومعيشتنا على مجهود الغير من استيراد لكل ما نحن بحاجة إليه من متطلبات الحياة واستقدام ملايين العمالة الأجنبية التي تقوم بخدمتنا وقتل طموحنا وتثبيط هممنا. جميع الشعوب تعيش على ما تصنع وتزرع وتنتج إلا نحن في الخليج العربي، معتمدين في معظم أحوالنا على الله ثم على دخل البترول. وهو أمر مقبول لو أنه مصدر مستديم. وهناك دون شك حراك وبداية وعي بين أفراد المجتمع وإحساس بالمسؤولية تجاه مستقبل أجيالنا، قد يحتاج إلى دفعة قوية من ذوي الألباب والضمائر الحية وبعد النظر. المجتمع ناضج ومتفهم للوضع الحالي. وكل ما نؤكد عليه هو مضاعفة الاعتناء والاهتمام بالنشء ليكون أساس النهضة الاقتصادية التي ترنو نفوسنا إلى تحقيقها، بدلا من الإسراف في الاعتماد على الأيدي الأجنبية. وأن نراعي حقوق المواطن فيما يخص مميزات التدريب والتأهيل ومستوى الدخل الذي يتناسب مع مستوى المعيشة في البلاد. وهذا يتطلب حكمة وحزما في اتخاذ القرارات الاقتصادية التي تساعد على تجاوز الوضع الحاضر والانتقال من حال الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد وطني، يتميز بتوطين الأعمال الصناعية والمهنية. فتلك هي حالة الشعوب التي تريد ضمان البقاء والعيش برغد وسلام، فلسنا استثناء. وتاريخنا يشهد كيف كانت أحوالنا في الماضي، زمن شح الموارد وقسوة العيش. واليوم لدينا المال ولدينا العلم والتكنولوجيا، وفوق ذلك العقول التي نرى أنها متميزة في مجالات كثيرة. وسواعد الشباب الذين أثبتوا قدراتهم على قوة التحمل والإبداع عندما يكون ذلك مطلبا ملحا، كما نشاهد في مواقع العمل في الشركات الوطنية الكبرى والمؤسسات العسكرية. وقد يكون من نقاط الضعف التي يعانيها الاقتصاد غياب قوة القطاع الخاص في بلادنا، وهو ما يحتاج إلى لفتة من ذوي الاختصاص في كيفية تنمية هذا القطاع المهم من شؤون نهضتنا الاقتصادية. ولعلنا، في هذا المقام، نلفت النظر إلى ظاهرة غير صحية في مجال التنمية الصناعية والخدمية المحلية. وهي تتمثل في تركيز الأعمال والنشاط التجاري في منطقة محصورة في مستطيل يربط بين جدة إلى الظهران، مرورا بالرياض. وكان الأولى أن يكون للمناطق الأخرى نصيب من حركة الأعمال تساعد على الحد من هجرة الشباب بحثا عن العمل. نحن نعلم بوجود ما يسمى المدن الصناعية قرب بعض المدن. ولكنها لا تزال إما خاوية أو تحتلها عمالة أجنبية. فلا بد من تصحيح الوضع من أجل المصلحة العامة.
إنشرها