عنيزة لها قصة مع حقول البترول

|
يبعد موقع مدينة عنيزة عن أقرب حقل بترول أكثر من 500 كيلومتر. ومع ذلك فاسمها، وقد تكون المدينة الوحيدة في المملكة، محفور في طبقة عميقة من مكونات مكامن البترول والغاز في المملكة، تسمى طبقة " تكوين عنيزة " . وهي من أشهر الطبقات المنتجة للبترول في السعودية، بعد طبقة "تكوين العربي" في الحقول الكبيرة التي تنتج أكثر من 80 في المائة من بترولنا. فكيف تم اختيار مدينة عنيزة لتحمل اسم إحدى الطبقات الرسوبية الحاملة للبترول، التي كانت قد تكوّنت قبل مئات الملايين من السنين؟ عادة، عندما يتم اكتشاف حقل بترول جديد، ُيعنى المسؤولون في شركة أرامكو باسْمَين: الأول مسمَّى الحقل نفسه، كحقل الغوار وبقيق والسفانية، فيختارون الاسم من موقع الحقل جغرافيّا. أما المسمَّى الثاني فيطلقونه على طبقة التكوين التي تحتوي على البترول في باطن الأرض، وقد تكون جيرية أو رملية أو خليطا من عدد من أنواع الصخور الرسوبية. فيبحثون عن ظهور أصل تلك الطبقة العميقة على سطح الأرض في مكان ما وسط الصحراء، وتسمى باسمها. فعلى سبيل المثال، معظم مكونات حقولنا، وهي طبقة جيرية، وجد الجيولوجيون الأوائل أنها تظهر على السطح في منطقة الرياض. ولكنهم بدلا من إطلاق اسم الرياض آنذاك عليها، اختاروا " تكوين العربي " اسما لها، واشتهرت بهذا المسمى. ولما بدأ الحفر في منطقة الحوطة جنوب الرياض، في أواخر الثمانينيات الميلادية، وجدوا هناك بترولا عالي الجودة عند عمق ستة آلاف قدم تقريبا في طبقة من الصخر الرملي، يختلف عن ما كانوا قد شاهدوه من قبل. وكان الجيولوجي المخضرم الصديق الدكتور عبد العزيز اللعبون هو المتابع حينها لحفر أول بئر في منطقة الحوطة وله خبرة واسعة وباع طويل في مجال جيولوجيا منطقة نجد. فلاحظ أن ذلك التكوين الجديد يشبه ما كان قد شاهده من قبل ظاهرا على السطح في جبال الصفراء شرق مدينة عنيزة. فأطلق عليه رسميّا "تكوين عنيزة". وأصبح، تبعا لذلك، كل مكوَّن رملي الأصل في الحقول الأخرى يشبه طبقة الحوطة "ُمكوَّن ْعنيزة". وبمناسبة هذه العلاقة الجيولوجية بين عنيزة والبترول في بلادنا، فإن لعنيزة علاقة إنسانية أجمل، حيث أهدت هذه المدينة الوادعة إلى شركة البترول العملاقة، أرامكو، حتى الآن أحد عشر نائبا للرئيس. وهو تميِّز لم تصل إليه أي مدينة أخرى من مدن المملكة. عنيزة، اسم لطيف خفيف لا نذكر أن له رديفا. وهي مدينة رائدة في التعليم الحديث. موقعها الجغرافي شمال العاصمة الرياض بما يزيد قليلا على 300 كيلومتر، وسط منطقة القصيم الخصبة الجميلة. وعنيزة تبدو في الوسط وكأنها محمية طبيعية، منظر أريافها خلاب، ونسيم هوائها عليل، يثير في النفوس الشجون. شرقها أكَمَة سمراء كانت تحميها من غدر الغزاة وتغذي أرضها بماء الوديان والشعاب. وغربها الطعوس الرملية الحمراء النقية التي كانت في الماضي تحيط بها غابات شجر الأثل الخضراء، قبل انخفاض مستوى المياه الجوفية في عموم بلاد نجد. واليوم تغطي رمالها الحمراء شجر الغضا الجميل، الذي لم يألُ أهل عنيزة جهدا في المحافظة عليه منذ زمن طويل وتنميته واعتباره من المعالم السياحية المهمة في المنطقة. وجنوبها رياض ُتنبت الطيِّب من العشب والزهور وقمح البعول، عندما يكثر نزول المطر. أما من الشمال، فيحتضنها بكل حب وحنان وادي الرمة العظيم، يروي طبقات مياهها منذ القدم وكأنها المدينة الوحيدة في حياته المديدة، وهو بالنسبة لها، الوادي وليس شيئا غير الوادي. ولو لم يكن منذ نشأته يسمى وادي الرمة لسميناه وادي عنيزة، لما بين الحبيبين من صلة ومودة. ولعلها المدينة الوحيدة بين المدن المجاورة، وبقية مدن المملكة، التي تغنى بها كثيرون من شعراء العصرَين، الجاهلي والحديث. وامتدحها المستشرقون والزوار من أجناس مختلفة خلال المائتي سنة الماضية. وخَصُّوا بإعجابهم انفتاح أهلها وكرمهم وترحيبهم بالزائر الأجنبي وثقافتهم وسعة إطلاعهم، في زمن كان الاتصال حينها مع الخارج بالنسبة لمعظم مدن المنطقة نادرا أو شبه معدوم. وعلى الرغم من تقدم ذكر عنيزة في الأخبار والأشعار، لما يقرب من 1500عام، إلا أن التوطين الحديث في ربوعها قد يكون في حدود 700 عام، وهو ما يجعلها من أوائل المدن العصرية في نجد. وأهل عنيزة، بطبيعتهم، الحاضر منهم والغائب، يبذلون الغالي والنفيس في كل مجال يعود على ديرتهم وأهلهم بالخير ويصِلون ما أمر الله به أن يوصل. فمدينة عنيزة، بفضل من الله، في مقدمة مدن المملكة في الخدمات الترفيهية والإنسانية. فلدينا في عنيزة منظومة شاملة ومتكاملة من برامج وخدمات الوقاية، الرعاية، التعليم، التأهيل، العلاج الصحي والطبيعي، والتدريب وفق رؤية عصرية، لتمكين ذوي الإعاقة من الاندماج في المجتمع. ويتاح لبعض منهم فرص التدريب على أعمال مهنية منتجة ذات قيمة اقتصادية. فهذه "جمعية عنيزة للخدمات الإنسانية"، أو "تأهيل". وهي مؤسسة خيرية إنسانية متميزة، تشرف على عدة فروع من أهمها في الوقت الحاضر، مجمَّع علي الجفالي للرعاية والتأهيل، ومركز علي التميمي للتوحد، ومركز محمد العبد الرحمن السعدي للطفولة والتدخل المبكر. ومن ضمن أنشطتها تعزيز الوعي الأسري في مجال الإعاقة وتشجيع ودعم إجراء البحوث والدراسات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة، والتوسع في تقديم الخدمات لذوي الإعاقة في مختلف مناطق المملكة. ورحم الله على رشيد الخياط، ابن عنيزة البار، حين قال قبل أكثر من 150 عاما، في قصيدة طويلة أشهر بيت قيل في عنيزة، يفتخر بها وأهلها وأصبح مثلا يُضرب به المثل: هذِي عنيزة ما نبيعَه بالزهيد ***** لاَفرَّعَنْ البِيضْ نحمي جالها
إنشرها