المؤسسات الحكومية وإقراض الموظفين

|

فاجأتنا بعض الجهات ومن ضمنها مؤسسات حكومية بتصميم برامج تقدم من خلالها إما قروضا عقارية على غرار ما تقدمه البنوك التجارية، وإما إسكانا بقرض طويل الأجل لموظفيها، كثير منها به إجحاف كبير على الموظفين. فمن خلال نظرة سريعة على الدليل الإرشادي لبرنامج التمويل الصادر من بعض المؤسسات الحكومية يتضح أن هناك استغلالا متعمدا لرواتب ومدخرات موظفي الدولة، فقد فصلت شروط التمويل بطريقة يستفيد منها جميع الأطراف عدا الموظف. وهذا الوضع أثار لدينا عدة استفسارات وعددا من علامات التعجب.
أول هذه الاستفسارات؛ هل هذه الجهات مصرح لها بمهمة الإقراض بفوائد؟ كما أننا نتساءل كيف جنحت بعض مؤسسات الدولة عن رسالتها الحقيقية وأدخلت نفسها في موضوع الإقراض والإسكان وكأنه لا توجد لدينا هيئات ووزارات تهتم بإسكان المواطنين؟ وهذا يثير لدينا القلق أن المؤسسات الحكومية الأخرى قد يسيل لعابها إذا علمت بمثل هذه البرامج التمويلية، وبهذا ستتغير أهداف المنشآت الحكومية من تقديم الخدمات المجانية إلى تعظيم الأرباح.
ومن ملامح هذا التغير في الفكر الإداري لبعض مؤسسات الدولة التي تنهج برامج التمويل والإقراض تطبيقاتها لفكر الأعمال. فنراها تقوم من وقت لآخر بعرض منتجاتها من قروض عقارية أو وحدات سكنية بدفعات طويلة الأجل عن طريق الإعلان في بعض وسائل الإعلام من صحف وغيرها. وعند فحص محتوى الإعلانات يظهر جليا الفكر المبطن لهذه البرامج والمتمثل في تحقيق أرباح بحجة توفير مساكن، خصوصا أن بعضها تستغل الحس الديني فتعتمد على الغطاء الشرعي الذي توفره هيئتها الشرعية. الذي أريد أن أصل إليه هنا أن فكر الاستثمار دخيل على المنشآت الحكومية لأنه من صلب عمل منشآت الأعمال والمؤسسات المالية وما في حكمها.
بعض المؤسسات الحكومية تستقطع من رواتب موظفيها نسبة بسيطة لا تكاد تذكر قد لا يعيرها الموظف انتباها كل شهر تحت مسمى تبرع أو خدمات أو صيانة أو غير ذلك، ومع مرور الوقت وتعاقب السنين تتكدس الأموال في حساب المنظمة، وتصل في بعض الأحيان إلى مئات الملايين، فتقوم هذه المؤسسات باستثمارها على حساب الممول الوحيد لها وهو الموظف، بحجة توفير سكن له ولأسرته وهو لا يعلم أن هذه أمواله تم استقطاعها من راتبه لعدة عقود. وهنا أريد أن أقف وأقول: أين الجهات الرقابية من هذه المؤسسات التي تستقطع من رواتب موظفيها مبلغا ولو كان هينا ثم تقوم بإقراضها عليه مرة أخرى بفائدة؟ فالأموال التي تستقطعها بعض مؤسسات الدولة من موظفيها عبارة عن ودائع لا يحق لها استثمارها بطريقة أخلاقية أو غير أخلاقية دون أن يكون للموظف نصيب منها لأنها هيئة حكومية مهمتها تقديم خدمات مجانية، وعمل كهذا من اختصاص البنوك التجارية والمؤسسات المالية والاستثمارية.
ولم تكتف هذه المنظمات بالتمويل والاستثمار ومنح القروض العقارية، بل أصبحت ترى نفسها هيئة رقابية. فتقوم بين الوقت والآخر بتحذير أصحاب العقارات من استغلال المواطنين، إذا أقدموا على الشراء وفقا لبرامج الإسكان التي تقوم هي بتمويلها، وبهذا فقد أضافت لها ليس فقط التمويل بل رقابة أسعار العقارات، وكل ذلك على حساب وظيفتها الجوهرية. كما أن هناك ثغرات قانونية في مثل هذه البرامج التمويلية منها على سبيل المثال كيف سيتخلص الموظف من هذه الأعباء المالية الضخمة إذا وافته المنية؟ هل سيحرم ورثته من راتبه التقاعدي حتى تستوفي جهة عمله القرض بتكاليفه؟
على وزارة الخدمة المدنية والجهات الرقابية ليس فقط مهمة تثقيف موظفي الدول بما لهم وما عليهم، بل حمايتهم من جهات أعمالهم فبعض برامج الإسكان والقروض العقارية التي تقدمها بعض الجهات الحكومية، وأرى أن من مصلحة المواطن أن يبقى مستأجرا حتى يوارى في الثرى على أن يتورط في مثل هذه البرامج لأن الشروط التي اطلعنا عليها مجحفة بحق موظفيها. فلو افترضنا أن متوسط الإيجار الشهري للموظف 1500 ريال، بينما لو قبل القرض العقاري أو سكنا فإن متوسط تكلفة القرض ستكون 3000 ريال شهريا. وتظل جهة عمله تستقطع ثلث راتبه لمدة 25 عاما، بينما من الأصلح له أن يبقى يستأجر بـ1500 ريالا كحد أقصى ويدخر الباقي حتى يصل إلى جزء من المبلغ الذي يمكنه من امتلاك منزل، وقد يقترض بقية المبلغ، ولكنه مبلغ بسيط ولمدة محدودة، وإذا سارع في السداد المبكر فسيستفيد أكثر.
كما أن على وزارة الإسكان مهمة إيقاف أي برامج عقارية من قبل أي مؤسسة حكومية أو غير حكومية، وإذا كانت بعض هذه المؤسسات قد تورطت في منح قروض لموظفي الدولة، فعلى وزارة الإسكان كطرف مفوض من قبل الدولة التدخل والإشراف مباشرة على تلك القروض بعد إعادة جدولتها؛ فلو ترك الحبل على الغارب بهذا الشكل فإن الآثار الاقتصادية والاجتماعية بل الإدارية ستكون مدمرة لأن مؤسسات الدولة ستهجر وظيفتها الجوهرية وتتفرغ لمنح القروض فتصبح مؤسسة مالية، عندها سيظهر الفقر والعوز على نسبة كبيرة من موظفي الدولة بسبب هذه الديون السيئة.
وأريد أن أختم فأقول إن وزارة الإسكان يجب أن تنظر بعين الموضوعية للمواطن الذي يسخر كل ما لديه للظفر بمنزل يضم شتات أسرته فتوفر له المسكن المريح بقروض ميسرة وآجال متقاربة، وفي الوقت نفسه تقف بالمرصاد للمنظمات والمؤسسات المالية التي تقوم بأدوار ليست من صميم عملها.

إنشرها