الطاقة- المعادن

المعادن تسحب البساط من أسواق السلع والسندات بعوائدها المجزية

تتصدر المعادن أسواق السلع العالمية، إذ إن الاستثمار فيها يعد دائما من أفضل الاستثمارات، والسبب يكمن في الطلب الدائم عليها، خاصة في الأسواق الدولية كثيفة الاستثمار كالصين والهند والولايات المتحدة وحتى في الاقتصادات الناشئة.
وتشير بعض المؤشرات ومن بينها مؤشر بلومبيرج للسلع هذا العام، إلى أن أعلى ست مواد خام تحتل قائمة المؤشر جميعها معادن، فوفقا لمؤشر بلومبيرج ارتفعت أسعار الألومنيوم بـ 20 في المائة، بينما يحتل الرصاص والنحاس والزنك والذهب والفضة والنيكل مكانة متقدمة للغاية في المؤشر، بينما تراجعت موارد طبيعية مثل السكر وفول الصويا والنفط.
وحتى إذا أخذنا في الاعتبار مؤشر لندن لمبادلات المعادن، فسنجد أن ستة معادن صناعية حققت أعلى مستوى سعري لها منذ أكثر من عامين، متجاوزة بذلك أسعار الأسهم والسندات الأمريكية.
ويرى برت جروس المحلل المالي في بورصة لندن، أن الطلب على المعادن حتى في مراحل الانكماش الاقتصادي، يظل في وضع أفضل نسبيا مقارنة بغيره من السلع، لارتباطه بمعظم قطاعات التنمية الاقتصادية.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "الوضع الراهن في سوق المعادن أفضل بكثير مقارنة بغيره من السلع، فأسعار النفط لم تتحسن بصورة جذرية منذ التراجع الذي شهدته السوق عام 2014، والفائض في إنتاج بعض المواد الخام مثل السكر وفول الصويا في تزايد، وهناك توقعات بمزيد من إنتاج السكر مع استعداد الاتحاد الأوروبي للسماح للمزارعين بزراعة البنجر دون حدود منظمة، بينما نجد مثلا صناعة الألومنيوم التي عانت فائضا في العرض بعد تراجع الطلب بسبب الأزمة المالية العالمية، اختلف وضعها الآن بصورة واضحة، فقد تم استهلاك خمسة ملايين طن متري مربع من فائض الإنتاج المقدر بسبعة ملايين طن".
وحول أسباب التحسن الحالي في سوق عدد كبير من المعادن خاصة الألومنيوم، يعتقد جروس أن "أغلب التوقعات تشير إلى تخطيط الحكومة الصينية للحد من قدرة الإنتاج المحلي من الألومنيوم، ما سيؤدي حتما إلى عجز في المعدن على المستوى الدولي، ولهذا تتفاعل الأسعار مع تلك التوقعات. كما أن الصين مسؤولة أيضا عن ارتفاع أسعار النحاس لأعلى مستوى له منذ ما يقارب ثلاث سنوات، حيث إن الجهود التي بذلتها السلطات لتحفيز النمو عززت الطلب على الصناعات التحويلية، ما أدى إلى زيادة الاستهلاك الصيني، وترافق ذلك مع اضطراب عمال المناجم في شيلي، وزيادة المضاربات من قبل صناديق التحوط على المعدن الأحمر".
المختص المصرفي بيلي بولاراد يؤكد أن تراجع الدولار لعب أيضا دورا رئيسيا في إنعاش سوق المعادن على المستوى العالمي، ويوضح لـ "الاقتصادية"، أن الدولار الضعيف قدم دعما واضحا للمعادن بجعلها أرخص بالنسبة إلى المشترين في الأسواق الرئيسية مثل الصين، فسعر صرف الدولار تراجع بنحو 8 في المائة منذ بداية العام الحالي، وتلك أكبر خسارة له منذ عام 2004.
ويضيف بولاراد أن "إجمالي التحسن في سوق المعادن يعود في جزء منه إلى الذهب حيث لعبت الولايات المتحدة دورا مهما في ذلك، وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري كان موقف المستثمرين إيجابيا من خلال شراء 170 طنا من الذهب، كما أن الحرب الكلامية المستعرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وكوريا الشمالية تدفع أسعار المعدن النفيس إلى أعلى، وخلال الأسبوع الأول من هذا الشهر حقق الذهب أكبر مكسب له خلال يوم واحد في ثلاثة أشهر تقريبا، وإذا كانت التوقعات تشير إلى أن الزيادة في سعر المعدن الأصفر بلغت 11 في المائة منذ بداية العام، فالمرجح أن ينتهي العام الحالي على زيادة أكبر".
ويعتقد بعض المختصين أن أسعار المعادن ستشهد مزيدا من التحسن على الأمد الطويل، لارتباط ذلك بتغييرات تكنولوجية، خاصة في مجال صناعة السيارات الكهربائية، التي تتطلب كما أكبر من بعض أنواع المعادن مثل النحاس والنيكل في صناعتها مقارنة بالسيارات التقليدية، وكذلك نتيجة زيادة إنتاج الصين من السيارات الكهربائية.
المهندسة ويندي التون تعتقد أن صناعة بطاريات السيارات الكهربائية ستقوم بدور كبير ومهم في زيادة الطلب على بعض المعادن، خاصة النيكل بينما ستشهد معادن أخرى تراجعا ملحوظا في الطلب عليها من بينها الرصاص.
وتضيف لـ "الاقتصادية"، أن "أسعار الرصاص ارتفعت العام الماضي بنحو 22 في المائة، وخلال الربع الأول من العام الجاري كان هناك تقلب ملحوظ في الأسعار، لكن الربع الثاني من هذا العام شهد تعزيزا لمسارها التصاعدي، والصين هي أكبر منتج ومستهلك للرصاص في العالم، بنحو 40 في المائة في مجال الإنتاج والاستهلاك، لكن هذا الوضع قد يتغير بصورة ملحوظة على الأمد الطويل، فالصين تنتج حاليا نحو 40 في المائة من السيارات الكهربائية في العالم، كما أن معدل استهلاكها المحلي من تلك السيارات في تزايد، وهذا يعني أنها ستتحول من البطاريات التقليدية التي تستخدم الرصاص إلى بطاريات السيارات الكهربائية كثيفة الاستخدام للنيكل، ولهذا يتوقع أن يزيد الطلب العالمي على النيكل خلال الأعوام المقبلة.
وفي الواقع، فإن أسواق النيكل منذ العام الماضي استعادت بعضا من عافيتها المفقودة، وسط توقعات بأن تواصل الأسعار التحسن هذا العام أيضا نتيجة قرار أكبر منتجين في العالم هما إندونيسيا والفلبين.
وألمحت الحكومة الإندونيسية إلى تخفيف القيود على إنتاج النيكل الخام وهي القيود المفروضة على الإنتاج منذ عام 2014، بينما أعلنت الفلبين أنها ربما تغلق معظم مناجم النيكل لديها، وهو ما قد يؤدي إلى تفوق الطلب على المعروض وتحسن مستويات الأسعار.
التحسن في أوضاع المعادن لم يكن حكرا على المعادن المذكورة أعلاه، فالعام الماضي كان الزنك أفضل المعادن أداء في الأسواق نتيجة الانخفاض الشديد في الإنتاج في عام 2015.
وخلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري ارتفعت أسعار الزنك بـ 58 في المائة، أسهم في ذلك الزيادة الكبيرة في مبيعات السيارات على المستوى الدولي، وتوسع الصين في مشاريع البنيية الأساسية.
ويتوقع أن تواصل الأسعار الارتفاع العام المقبل، بسبب انخفاض المعروض العالمي بنحو مليون طن، وسط توقعات بأن يشهد الطلب نموا بمعدل 2 في المائة سنويا، وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، فإنه يستبعد أن تتم إعادة فتح أو تأهيل المناجم المغلقة لأسباب فنية، وهو ما يضمن مواصلة الأسعار ارتفاعها.
النحاس أيضا شهد تحسنا سعريا لأسباب لا تعود إلى الاستهلاك الآني، بقدر ما ترجع إلى توقعات المضاربين بشأن المستقبل، إذ تسود الأسواق حالة إيجابية بشأن زيادة استهلاك الصين من المعدن الأحمر مستقبلا، مع إحراز مزيد من الدفع في اتجاه إصلاح البنية الأساسية والتوسع فيها، وكذلك مع توقع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب البدء في تنفيذ تعهداته الانتخابية بتطوير البنية الأساسية في الولايات المتحدة.
ويبقى الوضع في أسواق الفضة واحدا من الأوضاع المثيرة للجدل في الأسواق خلال هذا العام، فالاستثمار في الفضة سيعتمد إلى حد كبير على تحركات أسعار الفائدة الأمريكية، لكن في الوقت ذاته يعد الاستهلاك الصناعي للفضة، الذي يبلغ نحو 53 في المائة من إجمالي الاستهلاك العالمي للمعدن عاملا حاسما في تحديد مستقبله.
ويرى محللون أن سعر الفضة سيلعب الدور الرئيسي في تحديد الطلب عليه، وبعض الصناعات كثيفة الاستخدام للفضة، مثل صناعة الألواح الشمسية ستقوم بدور بارز في توجيه الطلب، فالاستخدام المتزايد للألواح الشمسية لإنتاج الطاقة في نمو متزايد على المستوى العالمي، ومن المتوقع أن يزداد الطلب على الفضة بصفة عامة في السنوات المقبلة، وأن ترتفع أسعارها.
ومع هذا لا يزال بعض المختصين يدعون المستثمرين إلى التأني، وعدم الإفراط في التفاؤل طويل الأمد، محذرين من فقاعة سعرية في سوق المعادن قابلة للانفجار في أي وقت.
ويقول لـ "الاقتصادية"، وليم جريجوري المختص الاستثماري في الشركة الدولية للاستثمار، "إن ارتفاع أسعار المعادن، يوجد وضعا جذابا في الأسواق يشجع على ضخ مزيد من الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، وتلك الاستثمارات في حد ذاتها توجد أجواء تنافسية تمثل أرضية خصبة للمضاربين في البورصات العالمية، وهذا في حد ذاته يرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها في كثير من الأحيان".
ويشير جريجوري إلى أن خطورة هذا الاتجاه تكمن في أنه يوجد فقاعات في سوق المعادن، قد تستمر لفترة طويلة نسبيا، قبل أن تقوم السوق بعملية تصحيح تلقائي ينجم عنها تراجع بين في الأسعار.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الطاقة- المعادن