موضات في عالم المال والأعمال

|
كثير من الأنشطة التجارية تعتمد في الأساس على كونها صيحة رائجة أو موضة مثل المطاعم والملابس والأزياء، إلا أن صيحات الرواج وصلت إلى عالم المال والأعمال. لتصبح مشاريع بعينها موضة لفترة من الزمن، يمكن أن تتراجع وتندثر، أو يكون نموذج الأعمال المستحدث من القوة والمتانة بحيث يتحول إلى الواقع الجديد. فعلى سبيل المثال، انتشرت أخيرا محال البرجر حتى غزت كل أحياء المدن الرئيسية. وكذلك هو الحال لعربات الفود ترك، التي أصبحت مجالا خصبا لاستقطاب ريادة الأعمال لتنظيم مؤتمرات تثقيفية داعمة للمشاركين في هذا القطاع. لكن في بعض الأحيان، فإن تحمسنا الزائد يعمل ضد نموذج العمل ليبعده عن هدفه الحقيقي. فمهرجانات عربات الفود ترك قصرت وجودها على موقع واحد تجمع فيه كل العربات بدلا من انتشارها في مواقع متعددة في المدينة، فيتحول المهرجان إلى نسخة مكررة من ساحات المطاعم المنتشرة في الأسواق! من المهم التركيز على مكامن القوة لكل نموذج عمل رائج لمعرفة إذا ما كان سيبقى أم لا، ودعمه لتحفيز عملية نضجه الطبيعية. فعلى الرغم من أن نماذج الأعمال المبتكرة تعمل على حل مشكلة ما، إلا أنها لم توجد لمواجهة العقبات التي تحد من إمكاناتها مثل تقييد الأنظمة والتشريعات. وكما تروج بعض المشاريع، فإن بعض الآراء الاقتصادية تتمتع هي أيضا بعامل الرواج الذي يحولها تدريجيا إلى معتقد. أحد هذه المعتقدات هو الأهمية التي نضفيها على قطاع الصناعة كحل للبطالة وقيمة مضافة إلى الاقتصاد الوطني. لا يمكنني أن أنفي أهمية القاعدة الصناعية في تحفيز وتنويع الاقتصاد، لكن يجب استعراض نتائج القطاع الصناعي السعودي بطريقة منهجية. فجل المصانع السعودية وخطوط الإنتاج تعتمد على العمالة الوافدة المنخفضة التكلفة، وهي بذلك لن تكون جاذبة للمواطن. كما أن هذه التكلفة المنخفضة ليست أصيلة في الاقتصاد السعودي، إنما هي ميزة نسبية مستوردة، ولذلك الأجدى بنا ترك ما لا نبرع فيه والتركيز على مكامن قوتنا. إضافة إلى ذلك، فإننا بحاجة إلى حوكمة الموارد للتأكد من أن ما نبذله من طاقة رخيصة يتم تعويضه بشكل مناسب في منتج نهائي ذي قيمة عالية. الصناعة التي يمكننا بناؤها لتتناسب مع بيئتنا الاقتصادية ستنتج متى ما بدأنا في الترويج لثقافة العمل التقني والمهني، والرفع من شأنها على الصعيد الاجتماعي. فمع الاستثمار في عمليات البحث والتطوير لإنتاج التقنيات، فإنها ستعمل على تطوير وتعزيز استغلال مواردنا الطبيعية. إلا أن تفعيل كل ذلك يحتاج إلى تطبيق على أرض الواقع، وهو ما لا يمكن فعله بدون رواج ثقافة الورش والأعمال التقنية المتقدمة. هنا يمكن للموضة والصيحات الرائجة أن تلعب دورا مهما في إيجاد مناخ داعم لعملية التحول البطيء. فكما تحول طباخ عربة الفود ترك في نظرة المجتمع إلى رائد أعمال، يمكن الترويج للعمل في خطوط الإنتاج كوظائف حرفية ذات مهارات دقيقة وابتكارية عالية.
إنشرها