أسعار المساكن عالميا .. هل هناك ما يقلق؟

|
كان الانهيار الذي حصل في أسعار المساكن في بلدان عدة في الفترة 2007 ـــ 2008 إيذانا ببدء الأزمة المالية العالمية. ونلاحظ الآن أن مؤشر أسعار المساكن العالمية الذي أنشأه الصندوق، وهو متوسط بسيط لأسعار المساكن الحقيقية في 57 بلدا، يكاد يصل إلى مستوى ما قبل الأزمة. فهل هناك مبرر للقلق مجددا من احتمال هبوط أسعار المساكن على مستوى العالم؟ لقد تعلمنا من الدراسة الكلاسيكية التي وضعها كل من كارمن راينهارت؛ وكينيث روجوف؛ بشأن الأزمات العالمية أنه من الحماقة الادعاء أن "هذه المرة تختلف". ولكن هناك أسباب عدة تدعو إلى الاعتقاد أن المنعطف الراهن يقتضي اليقظة ولا يدعو إلى الذعر. ـــ أولا: على خلاف فترة الانتعاش التي شهدتها الألفينات، يلاحظ هذه المرة عدم وجود تزامن بين أسعار المساكن في البلدان المختلفة. وفي داخل كل بلد، غالبا ما نجد الانتعاش مقصورا على مدينة واحدة أو بضع مدن، وكثيرا ما نجده غير مدفوع بحالة من النمو الائتماني القوي؛ ففي بعض الحالات يكون ارتفاع أسعار المساكن، ولا سيما على مستوى المدن، راجعا إلى نقص المعروض. ـــ ثانيا: أصبحت البلدان أكثر نشاطا في استخدام السياسات الاحترازية الكلية لتحجيم الطفرات السعرية في سوق الإسكان. وكما صرح مِن زو؛ النائب السابق للمدير العام، "لقد انتهى عصر التجاهل الحميد لطفرات أسعار المساكن". وبإلقاء نظرة أقرب على المؤشر العالمي، يتبين أن هناك ثلاث مجموعات عنقودية من بلدان المجموعة العنقودية الأولى ـــ تحت عنوان "تشاؤم" ــــ تتألف من 18 اقتصادا شهد هبوطا كبيرا في أسعار المساكن أثناء الأزمة المالية العالمية ولا تزال الأسعار على مسار تنازلي. ــــ المجموعة العنقودية الثانية ــــ تحت عنوان "كساد وانتعاش" ــــ تتألف من 18 اقتصادا شهد تعافيا في أسواق المساكن منذ عام 2013 عقب الهبوط الحاد الذي حدث في الفترة 2007 - 2012. ــــ المجموعة العنقودية الثالثة ـــ تحت عنوان "انتعاش" ــــ تتألف من 21 اقتصادا شهدت فيه أسعار المساكن هبوطا محدودا في الفترة 2007 - 2012 أعقبه تعاف سريع. ولا يقتصر الأمر على وجود فروق بين البلدان، بل إن الموقف مختلف داخل البلد الواحد. والصين مثال جيد في هذا الخصوص. فبينما تواصل أسعار الأراضي مسارها الصعودي المطرد بشكل عام، يحجب هذا المسار درجة كبيرة من التباين على مستوى المدن. ويقول جو جيوركو؛ الخبير في جامعة بنسلفانيا: إن بكين "شهدت واحدة من أكبر فترات الانتعاش على الإطلاق في أسواق المساكن". وقد قام جيوركو مع المؤلفين المشاركين في الدراسة بإنشاء مؤشر لأسعار الأراضي السكنية يغطي 35 مدينة كبيرة في الصين، استنادا إلى مبيعات الأراضي الحكومية للمطورين من القطاع الخاص. وتوضح هذه البيانات أن الأسعار ارتفعت على مدار العقد الماضي في بكين بنحو 25 في المائة سنويا بالقيمة المعدلة وفقا للتضخم، ولكن هذه النسبة كانت أقل من 10 في المائة سنويا في مدينة شيان. ويعتمد مدى استمرارية هذا النمط في الزيادات السعرية على توازن العرض والطلب، وهو أمر يختلف باختلاف المدن أيضا. ومن الأمثلة الأخرى في هذا الصدد أمستردام وأوسلو وفيينا، حيث تواصل أسعار المساكن الارتفاع في تجاوز واضح للمتوسطات الوطنية. وكان النمو الائتماني المفرط وراء انتعاش أسواق الإسكان في فترات عديدة سابقة. ولكن يبدو أن نقص المعروض هذه المرة يسهم بدور كبير في إعطاء دفعة لارتفاع الأسعار. ويظهر تأثير نقص المعروض واضحا في كثير من المدن. ففي كوبنهاجن وستوكهولم، لم تتواكب زيادة رصيد المساكن مع النمو السكاني، ما أحدث بعض الزيادة السعرية المشاهدة هناك. وفي السنوات الأخيرة، نبه صندوق النقد الدولي أيضا إلى دور نقص المعروض في بعض المدن الأسترالية والكندية، وكذلك في كثير من البلدان الأوروبية ــــ فرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والمملكة المتحدة. وهناك فرق آخر عن فترة ما قبل الأزمة وهو أن الأجهزة التنظيمية الوطنية والدولية تتوخى اليقظة في مراقبة طفرات أسعار المساكن وتستخدم السياسات الاحترازية الكلية لتحجيمها. وقد كان استخدام هذه السياسات مكثفا منذ الأزمة، ولا سيما في المجموعتين العنقوديتين المشار إليهما تحت عنواني "تشاؤم" و"انتعاش". ويواصل الصندوق حث كثير من البلدان مثل أستراليا وكندا وعديد من البلدان الأوروبية على استخدام إجراءات احترازية كلية، إلى جانب إجراءات دعم المعروض. ويرجع ذلك إلى أن تأثير ارتفاع أسعار المساكن في مديونية الأسر يمكن أن يحدث انعكاسات سلبية في الاستقرار المالي، حتى وإن كان هذا الارتفاع بسبب نقص المعروض.
إنشرها