هل من حقي أن أعرف كم تقبض؟

|
كان لنشر سلم الرواتب والمرتبات لنجوم هيئة الإذاعة البريطانية "بي. بي. سي" وقع الصاعقة ليس على المواطنين البريطانيين فحسب، بل على كثير من الناس في شتى أصقاع المعمورة. والاندهاش أو الرضا أو التعجب أو الدهشة التي رافقت هذا النشر في الإمكان عزوها إلى ثلاثة أسباب رئيسة: الأول، له علاقة بالخصوصية الفردية والحرية الشخصية، حيث يرى بعضهم أن كشف ما يتقاضاه المرء من مرتب شهري ينتهك حرمة هذه الخصوصية. الثاني، له علاقة بالشفافية، حيث يرى بعضهم أن كشف الراتب، ولا سيما للذين يعملون ضمن القطاع الحكومي أو العام، أمر مشروع وجزء من الحق العام للناس بصورة عامة. الثالث، إن نشر سلم الرواتب مع الأسماء يمنح الصحافيين الاستقصائيين والباحثين أنجع وسيلة وأفضل بيانات لتسليط الضوء على الفروقات بين النساء والرجال، وكذلك معرفة إن كانت هناك محاولات للانتقاص من المختلف لونا أو عرقا أو جنسا. لقد جرت تغطية الأسباب أعلاه تقريبا بصورة شاملة في الصحافة البريطانية. وكانت التغطية جريئة وفي أحيان تحمل نبرة تحذير وتهديد لهيئة الإذاعة البريطانية بأن وقت التغيير قد حان وأنه لا يجوز مثلا أن تكون هناك فروقات في الرواتب بسبب الجنس أو اللون أو العرق. ولن يكون بمقدوري شرح طريقة عمل هيئة الإذاعة البريطانية في مقال واحد أو حتى اثنين لأنها إخطبوط إعلامي مهول. يكفي القول إنها تبث في أكثر من 30 لغة كي يعلم القارئ اللبيب مدى تأثيرها على مستوى العالم. وهذه الهيئة ربما الأقرب إلى قلوب البريطانيين ثقافة من أي مؤسسة أخرى. وشعبيا يطلقون عليها لقب Auntie (العمة) لتعلقهم الكبير بها. وكل بريطاني، له جهاز لاستقبال وسيلة إعلامية في بيته (تلفزيون، راديو، كمبيوتر)، عليه دفع مبلغ من المال كل سنة لقاء "استمتاعه" ببرامجها، ويطلقون عليه في الإنجليزية license fee وأقرب ترجمة عربية له قد تكون "بدل المشاهدة". الهيئة إذا يملكها الشعب البريطاني في الظاهر إلا أن الواقع يقول إن الحكومة (البرلمان) هي التي تفرض البدل هذا وهي التي تجمعه وتعاقب كل شخص يتخلف عن دفعه بالسجن وغرامة مشددة. قد تصل ميزانية "بي. بي. سي" التي تجمعها من الشعب البريطاني مباشرة بواسطة الحكومة إلى نحو 4.5 مليار جنيه استرليني (نحو 22 مليار ريال سعودي). لا أظن هناك دولة في الدنيا تنفق مبلغا هكذا على وسيلة إعلامية واحدة. ومن هنا لم يثر تقرير الهيئة عن الرواتب التي تدفعها لبعض نجومها والتي قد تصل إلى 2.2 مليون جنيه استرليني (نحو 10.7 مليون ريال سعودي) دهشة مختصين في الإعلام والصحافة من أمثالي، ولكنه كان صدمة كبيرة لدافع الضريبة البريطاني. وعودة إلى عنوان المقال والسؤال المهم الذي يثيره وهو إن كان للناس الحق في معرفة ما أقبضه من دخل ومقدار الضريبة السنوية التي أدفعها عما يرد إلي من مدخولات. ولنضع السؤال بصيغة أخرى: هل يجوز للدولة أن تكشف عن الرواتب التي يتقاضاها كل العاملين فيها ووضعها على الشبكة العنكبوتية للتداول العام؟ أو هل يجوز أن تبقى الرواتب التي تدفعها الدولة للعاملين فيها سرية وجزءا من الخصوصية الشخصية؟ قد نختلف في الجواب وقد يكون هناك عدة أجوبة، استنادا إلى المكان والثقافة ونوع السلطة. بيد أن الجواب في بلدان شمال أوروبا (الدول الاسكندنافية)، حيث مبدأ الشفافية هو السائد في الحكم سيكون في مجمله: "نعم، يجب أن يعرف الشعب ما يتقاضاه العاملون في الدولة من رواتب وما يدفعونه من ضرائب وماذا كانوا يملكونه قبل وبعد تبوؤ مناصبهم ولا سيما الرفيعة منها". الرواتب والأجور التي يتقاضاها الموظفون والعاملون وعلى الخصوص في الوزارات والدوائر الحكومية والقطاع العام لم تعد أمرا سريا في هذه الدول. الناس بيسر وسهولة بإمكانها معرفة ما يتقاضاه رئيس الوزراء ووزراؤه من راتب وما يدفعونه من ضريبة سنوية في هذه الدول. وهذا ينطبق على كل العاملين في الدولة وقطاعها العام. الشفافية في الأجور ركن من أركان الحكم في هذه الدول. هذه الشفافية جعلت كل العاملين في الدولة يتصرفون بتأن وحكمة وحرص على الأموال العامة لأنهم يعرفون أن هناك صحافيين استقصائيين يقفون لهم بالمرصاد ومعهم كثير من الناس الذين يراقبون كل حركة بيع وشراء ووارد وصادر يخصهم. وكثيرا ما حدث أن استقال وزير أو حتى رئيس وزراء لأنه لم يقم بدفع الضريبة كما يجب أو أخفى مبلغا مهما كان حجبه عن عيون الناس. الشفافية والعدالة الاجتماعية معناها هناك خط فاصل بين الخاص والعام تجاوزه يعاقب عليه القانون والمخالف تلحقه الفضيحة. غياب الشفافية والعدالة الاجتماعية معناه عدم التمييز بين العام والخاص.
إنشرها