صناعة الترفيه وترسيخ بيئة استثمارية

|
يقع أكبر مشروع ترفيهي في العالم على مساحة أرض تقدر بـ 110 مليون متر مربع، تحتوي إضافة إلى المناطق الأربع المخصصة للألعاب الترفيهية على 27 فندقا، تشتمل على قرابة 28 ألف غرفة تابعة للمشروع، وكذلك منطقة مخصصة للتنزه البري تضم 409 أكواخ، و800 موقف للسيارات المعدة للرحلات "كرافان"، كما يتضمن المشروع منطقة سكنية تحتوي على 450 وحدة سكنية ما بين فيلات وشقق، كما يخدم المشروع مجموعة من الفنادق والمنتجعات يتم تشغيلها من خلال أقوى وأميز الأسماء العالمية في مجال الفندقة والضيافة؛ مثل هيلتون وإنتركونتيننتال وشيراتون وويسترن، وغيرها، وتضم أكثر من 100 ألف غرفة، بعضها يتم تشغيله يوميا وبعضها مبيعة بنظام المشاركة بالوقت، كما أن عدد العاملين في هذا المشروع يتجاوز 62 ألف موظف، ويزوره سنويا نحو 52 مليون زائر. هذا المشروع الترفيهي هو عالم والت ديزني في الولايات المتحدة في مدينة أورلاندو، ولاية فلوريدا. ولا شك أنك سيتضح أيها القارئ الكريم خلال محتويات المشروع أنه مشروع تطوير عقاري بامتياز، وهذا استنتاج صحيح، ففكرة المشاريع الترفيهية وهيكلة استثمارها ونماذج عملها ليست ترويحية فقط، بل تعتمد بشكل رئيس على العقارات الاستثمارية المصاحبة للمشروع، ولذلك كان النشاط العقاري وما زال عنصرا أساسا في أغلب المشاريع الترفيهية العملاقة، بل تجد أن أغلب أراضي المشروع الترفيهي تغطيه استثمارات عقارية متنوعة الاستخدامات تثري من خلالها المشروع الترفيهي الأساس، وتوفر له خدمات لوجستية مهمة لبقائه وانتعاشه على المدى البعيد. لا شك أن الاستفادة من التجارب السابقة في قطاع الترفيه ومعرفة أسرار نجاحها على مستوى العالم سيكون حجر الزاوية في انطلاق مشاريع ترفيهية تنموية تسهم في نمو الاقتصاد وتوفير الوظائف المحترفة في المجال، وتحفز ضخ الاستثمارات العقارية المصاحبة لها، والمتوقع من هيئة الترفيه، وضع القاعدة التشريعية والتنظيمية المحفزة لهذا النوع من المشاريع العملاقة والمستدامة، التي تمثل قيمة اقتصادية مضافة للمناطق التي تنشأ فيها. ومع الأسف أن أغلب الفعاليات التي انضوت تحت مظلة هيئة الترفيه خلال الفترة السابقة كانت نشاطات صغيرة ومستنسخة بشكل غير احترافي، وذات وقت وأثر محدود وتكاليف عالية على الفرد دون عائد ترويحي مناسب، وكذلك لم نجد أي مشاريع ترفيهية حقيقية تم البدء فيها على مستوى مناطق المملكة خلال الفترة الماضية تمثل عائدا تنمويا لتلكم المناطق، إلا الإعلان عن مشروع القدية الترفيهي، الذي يعد محاولة جيدة لتحقيق المعني الاستثماري بالترفيه برؤية تنموية، لكن المهم في هذه المشاريع أن يتم توفير البيئة الاستثمارية المحفزة، وأن تقوم القطاعات المختلفة المرتبطة بها بتحديث عملها، فمثلا هناك كثير من الألعاب الخطيرة ذات الحركات المتسارعة والارتفاعات العالية، التي تحتاج إلى نظام أمن وسلامة محكم، وإلى جهات محترفة تقوم بمراجعة إجراءات الأمن والسلامة، وإلى تدريب ومعدات متخصصة في حال تعطل أو حدوث أي إشكالات طارئة لا قدر الله في أثناء تشغيل هذه الألعاب، كذلك من الجيد تفعيل نظام المشاركة بالوقت التابع للهيئة العامة للسياحة والآثار، لأنه من أهم الأساليب المستخدمة في تسويق العقارات السياحية، ومحاولة رفع مستوى وعي المطورين العقاريين والأفراد المستفيدين عن هيكلتها وأسلوبها الاستثماري، ومميزاتها وعيوبها، وتحديث الأنظمة المتعلقة بها من حين إلى آخر لتواكب المستجدات وتصبح أداة استثمارية سياحية فاعلة، تدعم من خلالها المشاريع الترفيهية المميزة. الخلاصة: إننا ما زلنا في بداية المشوار في صناعة الترفيه، وأتمنى من المسؤولين عن هذا الملف أن لا يعمدوا إلى استنساخ التجارب العالمية فقط، وأن يعملوا على ترسيخ بيئة استثمارية ترفيهية مميزة تتناسب مع حاجات المجتمع الترويحية وثقافته، وأن تكون الأولوية لجذب الاستثمارات المبتكرة والتنموية، التي يتضح فيها الأثر التنموي من خلال ضخ الاستثمارات بشكل مباشر، وإيجاد الوظائف، كما لا بد أن تتواكب قدرات وإمكانات الجهات المختلفة مع احتياجات هذا القطاع المهم، مثل الدفاع المدني وما يتعلق بإجراءات الأمن والسلامة، كما أن للجهات التعليمية والتدريبية دور مهم في تدريب وتأهيل العاملين في قطاع الترفيه بشتى مناشطه، حتى نؤسس لبيئة احترافية بعيدة عن العشوائية والاجتهادات التي تسيء لمفهوم الترفيه بدلا من أن تدعمه، وتجعله قطاعا جاذبا للجميع.
إنشرها