كيف تخسر «خبرتك» الثمينة؟

|

أسرع طريقة لخسارة خبرتك المميزة تحدث عندما تمر على الموقف الذي يصنعها دون أن تتوقف لها، تماما مثل أي فرصة ثمينة أخرى تفوت علينا. ربما لا ننتبه بسبب الانشغال وربما نتجاهلها غرورا إلا أن النتيجة مؤكدة، إن لم تكن خبرة مكتسبة ستصبح فرصة ضائعة بامتياز. لهذا يعد التفكر ـــ ورصد الفوائد بالتعمد ـــ قبل وأثناء وبعد التجربة من الممارسات المؤثرة، لها أدواتها وسماتها التي تخرج معها القيمة والفائدة.
المشكلة أنه حتى من يتمكن من اكتساب الخبرة، قد يفقدها ويخسر فوائدها بعد زمن. دوما ما نشاهد خبيرا لا يفقه ومجربا لا يحسن التصرف وشيخا في مجاله تختلط عليه الأمور عند اشتدادها أو يظهر ضعفه عندما نتعلم لاحقا من غيره كيف كان يجب أن يحدث الأمر. وهذا طبيعي ومشاهد بكثرة حولنا، وللسبب ذاته، يصنع أحيانا خبير السنوات الخمس قرارات أفضل بكثير من خبير السنوات العشر والعشرين. هي ليست بالسنوات، وإنما بقدرتنا على الاستفادة من المعرفة المرتبطة بهذه الخبرة. لذا لو افترضنا أننا أنجزنا الخطوة الأولى، وهي معايشة الموقف المنشئ للخبرة، فهل هذا يعني أننا حصلنا على الخبرة؟ الجواب هو لا! ماذا ينقصنا إذن للحفاظ على هذه الخبرة المفيدة؟ أو بطريقة أخرى، كيف نتفادى خسارة خبراتنا الثمينة بعد الحصول عليها؟
نفقد الخبرة عندما ننساها، وننساها عندما نقلل من قيمتها. متى ما عُرفت قيمة المعرفة التي تمت حيازتها يتأتى للفرد الحفاظ عليها بعدة طرق. من هذه الطرق التدوين، والملاحظة، والتفكر. هناك فرق كبير بين من يفكر في مواقفه، ويدون ملاحظاته، ويعرف جيدا الخلاصات التي تصله من مواقفه ومعايشاته اليومية وبين من يعيش تجاربه بأسلوب الـ Auto Pilot التلقائي السطحي الخالي من المراجعة الذاتية والمتأثر سلبا بنسق الحياة السريع والضوضاء والفوضى. فبينما يعيش الثاني حياته وهو مجرد تابع سلبي لأحداثها مندمج مع تقلباتها، يضبط الأول تجاربه وينسقها لإعادة الاستخدام بطريقته الخاصة. هو بذلك ينقل خبرة المعايشة اليومية ويحول الحدث الذي يحصل نوعا ما بتلقائية إلى قالب معرفي يمكن الاستفادة منه لاحقا، سواء كان مصدره تجربة فاشلة أو مشهدا هامشيا يظنه البعض خاليا من القيمة.
أحيانا يكون أقل التجارب أهمية أكثرها فائدة، على الأقل من وجهة نظر المجرب أثناء التجربة. هذا التقليل من أهمية الموقف أو التجربة متوقع لأن فائدة المعرفة لا تظهر إلا حين نحتاج إليها، وفي العادة لا تظهر الحاجة إلا في الموقف التالي، في العام المقبل، أو في مكان مختلف تماما. هذه إحدى أكبر المعضلات التي يواجهها الموظف الجديد في منشأته، فيقلل من قيمة العمل الروتيني ابتداء ثم يطالب بدور أكبر في الاجتماعات والمشاريع. يتعجل من هو مثل هؤلاء الشباب بالمطالبات، وهو لم يرصد بعد تجاربه الثمينة التي تمكنه من العطاء. على سبيل المثال، مشاهدة ديناميكية العلاقات العامة من زاوية بعيدة بعض الشيء والتعلم من كيفية تواصل الأكثر خبرة مع بعضهم بعضا ومشاهدة مهارات وتكتيكات المستشارين كلها تصب في الخبرة التي يمكن اكتسابها بالوجود في أحداث العمل اليومي، ولكن حين ينشغل الموظف بالأحاديث الجانبية وعلاقاته الخاصة داخل مقر العمل يفقد القدرة على الرصد والتعلم وتصبح حينها خبراته بلا تركيز.
غني عن الذكر أن خبرة تنشأ من تجربة مقننة بالأهداف ومنهج شخصي واضح تختلف عن خبرة تنشأ من شخص يعوم في بحر الأحداث دون توجه واضح ومحدد. ينصح الخبراء كذلك بتوسعة شبكة العلاقات ومراجعة الأداء الشخصي بشكل دوري، إذ إن ذلك يمكن الممارس من التعلم بشكل أفضل. أحد أبحاث التعلم أثناء العمل يشير إلى ثلاثة كفاءات مهمة لتعظيم الخبرات: القدرة على التعلم وحس المبادرة ومهارات التنظيم الشخصي، وللكفاءتين الأخيرتين دور كبير واستثنائي في تحويل الحدث إلى معرفة. بقي أن أشير إلى أن هذه المسألة لا ترتبط فقط بالمتعلم، وإنما حتى على المنشآت وقياداتها دور في تحسين بيئة التعلم وتعظيم الاستفادة من الخبرات، وذلك بتحسين بيئة العمل وتمكين الموظفين في نواحي التواصل والثقة وإدارة العلاقات وفرق العمل.

إنشرها