شركة الصناعات العسكرية .. مفتاح تحول لثروات فكرية وصناعية

|
لطالما كانت الصناعات العسكرية في دول العالم تمثل رافعات اقتصادية عملاقة، ولقد أثبتت الحرب العالمية الثانية أن الصناعة العسكرية تعد المحفز الأول للابتكار والتطوير، وخرجت من رحم الحرب آلاف من الصناعات المدنية التي شكلت فارقا في حياة الإنسانية، على الرغم من أن الحرب كانت وما زالت من الشرور التي يجب على بني البشر تجنبها، وفي هذا يقول الله ـــ جل وعلا ـــ (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله)، وعلى هذا مضت سنة الإسلام وقامت هذه البلاد. إلا أن انعكاسات الحروب دائما ما تكون ذات أثر مدني واسع، فلم تتطور صناعة الطيران إلا لحاجة الحروب، ثم لما انتهت الحرب تحولت الشركات التي كانت تصنع الموت إلى صناعة الحياة من خلال تحويل الإنتاج إلى صناعة مدنية نستخدمها اليوم بكل أمان، وهكذا في تطوير صناعة المفاعلات النووية التي تحولت بعد الحرب إلى أغراض سلمية. لقد أثبتت الصناعة العسكرية أنها مفتاح تحول لثروات فكرية وصناعية في العالم، ليس هذا فحسب، بل لقد أثبتت الصناعة العسكرية أنها قادرة على إيجاد فرص عمل واسعة، ولم تخرج الولايات المتحدة من أزمة الكساد العالمي عام 1929 إلا من خلال الصناعة العسكرية والابتكارات المتقدمة التي قدمتها وأوجدت بفعلها الملايين من فرص العمل. ولأننا اليوم نخطط للخروج من أزمة الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، فقد قامت الحكومة بدراسة كل الفرص المتاحة من أجل إيجاد روافع اقتصادية جديدة، ولأن الاهتمام بالصناعة العسكرية في المملكة كان دون المستوى المطلوب، فقد وجد صندوق الاستثمارات العامة فرصا سانحة في هذا القطاع اليوم، وكما صرح الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي ولي العهد رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، بأن المملكة تعد من أكبر خمس دول إنفاقا على الأمن والدفاع على مستوى العالم، إلا أن الإنفاق الداخلي لا يتعدى اليوم نسبة 2 في المائة من ذلك الإنفاق. وهذا هو دور المخطط الاستراتيجي الذي يبرز في قراءة الفرص المتاحة للاقتصاد وتنميتها، فإذا كنا من أكبر الدول إنفاقا على الأمن والدفاع، فإنه من باب أولى أن نكون من أكبر الدول تصنيعا في هذا المجال، لكن واقع الحال مختلف، حيث لا نصنع أكثر من 2 في المائة من إجمالي ما نحتاج إليه. ولأن الفرصة متاحة لتعزيز القدرات الاقتصادية في هذه المجال فقد أعلن الأمير محمد بن سلمان إنشاء شركة صناعات عسكرية وطنية جديدة تحمل اسم الشركة السعودية للصناعات العسكرية، يتمحور هدفها في استغلال الفرص المتاحة بين فجوة الاحتياج والإنتاج، حيث تصبح الشركة منصة مستدامة لتقديم المنتجات والخدمات العسكرية التي تستوفي أرفع المعايير العالمية والوصول إلى مصاف أكبر 25 شركة صناعات عسكرية عالمية مع حلول عام 2030. وبعيدا عن الآثار الأمنية المهمة لهذه الشركة التي ستمكن المملكة من تحقيق اكتفاء ذاتي في بعض المنتجات والخدمات العسكرية وهو ما يحقق لها أمنا معلوماتيا واستخباراتيا مهما جدا، إلا أنه من المتوقع أن تكون لهذه الشركة آثار اقتصادية هي الأهم والأعمق أثرا والأكثر استدامة. فكما أشرنا أعلاه أن الأثر الاقتصادي لنمو الصناعات العسكرية كان بالغا في البعد المدني والاقتصادي المستدام، وفي هذا فمن المتوقع أن تبلغ مساهمة الشركة المباشرة في إجمالي الناتج المحلي للمملكة أكثر من 14 مليار ريال سعودي، كما أنه ـــ وفقا لتصريحات ولي ولي العهد ــــ ستخصص الشركة نحو ستة مليارات ريال سعودي للاستثمار في عمليات البحث والتطوير، وستوفر الشركة أكثر من 40 ألف فرصة عمل في المملكة، معظمها في مجال التقنيات المتقدمة والهندسة. كما ستسهم الشركة في توليد أكثر من 30 ألف فرصة عمل غير مباشرة، وإنشاء المئات من الشركات الصغيرة والمتوسطة. ولأن المملكة تعمل على الاستفادة من المعادن المتوافرة لديها، وأنشأت لهذا الغرض موانئ خاصة ومدنا صناعية جديدة، فإن ظهور قطاع الصناعات العسكرية في هذا الوقت سيعمل على هذه الصناعات من خلال تعزيز المحتوى المحلي بزيادة الطلب على المنتجات المحلية من المكونات والمواد الخام كالحديد والألمنيوم، والخدمات اللوجستية وخدمات التدريب. ولهذا فمن المؤكد أن يمتد أثر هذه الشركة والصناعات المرتبطة بها إلى الاستخدامات المدنية، وهذا بدوره سيعزز الطلب على مستويات متقدمة من التعليم المدني وبالتالي تحقق تقدم أكثر في مستويات المعيشة، وتوافر فرص تعليم أكثر وأرقى، خاصة أن تصريحات ولي ولي العهد كانت عن مستقبل هذه الشركة وأهدافها لتأسيس شركات تابعة، كما أنها ستحتفظ بالمرونة الهيكلية لتأسيس مزيد من وحدات الأعمال.
إنشرها