تميز مهني دون تعب

طلال الجديبي
على الرغم من وجود عدد غير قليل من الشباب المتحمس للتميز المهني، إلا أن هناك فئة تود الوصول إليه بلا مجهود. هناك من يخصص الساعات بشكل يومي خارج أوقات الدوام للإعداد للشهادة المهنية أو للقراءة في مجال تخصصه، وعلى الطرف الآخر، هناك من يبحث عن أقصر الطرق وأسهلها. يسهل التظاهر بأي شيء مميز، ولكن يسهل كذلك كشف المتظاهر الذي ينكشف عند أول تحد حقيقي. عندما يطمح شاب أن يكون شخصا مؤثرا أو متميزا مهنيا، فإن كل ما يتطلبه الأمر هو بعض الجدية والتنظيم، وليس للحظ دخل، ولا توجد طرق مختصرة يمكن عبورها بلا جهد أو تعب. يصادفني عشرات الشباب الذين يلتزمون ببرنامج يومي لتنظيم الوقت والإعداد، خطط يومية وأسبوعية وشهرية، ارتباط مستمر بشبكة من المهنيين وأقارب التخصص، وأحلام دخلت في قائمة التنفيذ بتحويلها إلى أهداف واقعية وعملية. وعلى الجانب الآخر، هناك من يطمح إلى أن يكون رئيسا تنفيذيا، ولكنه يبحث عن الحلوى قبل التعب، يتحدث باستمرار عن خططه وأفكاره ولكن عمليا لا ينتج أي شيء. ما لا يعرفه مثل هؤلاء، أنه لا يوجد وقت للراحة. الأمر ليس رحلة للشقاء، ولكن التميز المهني مرتبط بشكل دائم بالإنتاجية المستمرة، التي تستمر في نشاطها أثناء الإعداد للشهادات الجامعية والمهنية، وأثناء الحصول على الخبرات، وفي أوقات التعامل مع القرارات الروتينية الصعبة حتى في وقت العطاء وإعادة تدوير الخبرة والمعرفة. الكسل المهني جزء من معادلة أخرى لا ترتبط بالنجاح والتميز بأي شكل من الأشكال. سمعت كثيرا من الأعذار والمبررات التي يطرحها من يبحثون عن النتائج الجيدة بلا تعب، وهم قبل أن يقولوها للغير، يقولونها لأنفسهم ويصدقونها! يقول أحدهم: "لقد درست في حياتي ما يكفي من الدروس" أو "لن أعود للتعلم من جديد"! لا أعرف كيف يقال مثل هذا وجميعنا يعرف جيدا أن "العلم من المهد إلى اللحد". آخر يقول: "أود في الحقيقة تطوير نفسي، ولكن ظروفي الاجتماعية لا تسمح". الظروف الاجتماعية تتأثر بالحالة الفردية، والنجاح المهني محسن جيد لها. تطوير الذات سبب، والظروف الاجتماعية نتيجة. ليس من الطبيعي أن نؤجل أو نتنازل عن أي تحسين ذاتي، بما في ذلك تحسين وضعنا المهني، من أجل وضع اجتماعي معين. بل من الطبيعي أن نستغل ظروفنا الاجتماعية من فسح وقتية ودعم اجتماعي وغير ذلك. قابلت أكثر من مرة من يغير تخصصه بالكامل، ويبدأ في رحلة جدية من الدراسة والإعداد المهني في عمر متقدم نسبيا. مثل هذا يتحول فعليا من حالة سلبية تتجاهل فرصة التطوير إلى أفضل مثال للتطوير الشخصي. يجسد هؤلاء الانتقال من حالة الفوضى إلى الانضباط، ومن العشوائية إلى الترتيب، ومن الهدر إلى الكسب. معظم هؤلاء لديهم كثير من الارتباطات الأسرية والاجتماعية والمسؤوليات المتعددة، ولكنهم وصلوا إلى مرحلة من النضج والوعي تمكنهم من تغيير أسلوبهم في التعامل مع الواقع مهما بلغ من التعقيد. في المقابل، أرى من الشباب الذين يملكون كثيرا من الوقت ولديهم ارتباطات أسرية ومسؤوليات أقل نسبيا ولكن بلا استفادة فعلية من الفرص المتاحة لهم. يشبه هؤلاء من يضيع ثروته وقت الرخاء ويبدأ في البحث عنها وقت الشدة. ترتفع تكلفة التميز عندما نتأخر في الوصول إليه. هي عملية تراكمية تقوم في العادة على أحجار أساس يمكن الحصول عليها بسهولة ـــ ولكن فقط بعد بذل الجهد المناسب. محاولة البناء دون تأسيس مستحيلة، وكذلك التميز المهني. في كل التخصصات هناك فرص للتميز المهني الذي يضاعف المكاسب التي نستطيع الحصول عليها ويغير أسلوب حياتنا بالكامل. ولكن البحث عن الترفيه اليومي والأسبوعي والسنوي قبل بذل الجهد والإعداد يشوه المعادلة ويضيع النتائج. الترفيه مهم، ولكنه أقرب للنتيجة من الأسباب، يأتي في نهاية الأمر للاحتفال وليس في بدايته للإعداد. الترفيه أفضل فاصل زماني ومكاني يمكن أن نقوم به لتحقيق النتائج الجيدة، وأراه مطلبا أساسيا لتحقيق النجاح، ولكنه يأتي في سلم الأولويات بعد كثير من الخطوات الأهم. المسألة ليست صعبة، ولكن الحصول على التميز المهني دون تعب مجرد خرافة. فالنتائج الجيدة في كل طريق منضبط ومنظم لا تحصل إلا ببذل الخطوات المطلوبة، وفي الغالب، لا توجد طرق مختصرة وفعالة في خريطة التميز المهني.
إنشرها