استعادة التوازن والاستقرار الاقتصادي

|
صبّت القرارات السامية الأخيرة المتعلقة بإعادة البدلات والمزايا لموظفي الحكومة في استعادة التوازن والاستقرار الاقتصادي المحلي، وهي القرارات التي ألغت قرارات سابقة في الخصوص ذاته، كانت قد صدرت في نهاية أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، جاءت حينئذ ضمن حزمة إجراءات مالية مشددة لمواجهة الأوضاع الاقتصادية غير المواتية، نتجت عن استمرار انخفاض أسعار النفط وما ترتب عليها من آثار شديدة الضغط على الميزانية العامة، والإشارة في حينها إلى أنها إجراءات يرتبط العمل بها بدرجة مباشرة بالأوضاع الاقتصادية التي اقتضتها، بمعنى إمكانية توقف العمل بها بمجرد زوال تلك الأوضاع المسببة لاتخاذها، وهو ما نصت عليه صراحةً في مضمونها حينئذ "أن تتم إعادة النظر في هذا القرار وفقا للمستجدات". تشكل الأجور والمزايا المدفوعة للشرائح العاملة في الاقتصاد، المزود الأهم والأكبر للإنفاق الاستهلاكي الخاص "تجاوز 1.0 تريليون ريال خلال 2016"، الذي يشكل بدوره ثقلا هائلا تجاوز وزنه النسبي بنهاية العام الماضي سقف 43 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ولهذا فإن أي انخفاض قد يطرأ عليه من جراء هذه الإجراءات، أو لغيرها من الأسباب الأخرى كارتفاع البطالة بين صفوف القوى العاملة، أو لارتفاع معدل التضخم وتسببه في تآكل أجزاء كبيرة من الدخل المتاح للإنفاق، لا شك أنه سيخلف وراءه آثارا مؤلمة في النمو والاستقرار الاقتصاديين. اتخذت السياسة المالية المحلية خيار تحمل أعباء وآثار تلك الإجراءات السابقة طوال سبعة أشهر مضت، في مقابل تحقيق التوازن المالي، وضرورة المضي قدما في هذا الاتجاه، مستهدفة تلك السياسة استعادة أكبر قدر ممكن من عافيتها في ظل الظروف غير المواتية التي يواجهها الاقتصاد الوطني، وتأهبا لما قد يكون أكثر تحديا في المستقبل القريب إذا ما استمرت أسعار النفط في مستوياتها الدنيا الراهنة، إضافة إلى تحمّل أعباء الإصلاحات الهيكلية التي يخضع لها الاقتصاد الوطني خلال المرحلة الراهنة، التي لا شك أنه ستصاحبها آلام تمتد إلى مختلف أنشطة الاقتصاد، وتمس أجزاء واسعة جدا من مستويات معيشة المجتمع، وهي الآلام التي يتوقع ألا يطول عمرها كثيرا، وسرعان ما سيتكيف الاقتصاد معها بمجرد اكتمال العمل بها، ليتأسس على أثرها اقتصاد أعلى إنتاجية وأكثر تنوعا، ذو استقلالية أكبر عن النفط والاعتماد المفرط على دخله الناضب الوحيد، شرط أن يتخلص الاقتصاد من أخطر التشوهات التي أعاقت تقدمه واستقراره، لعل من أبرزها اتساع أشكال الاحتكار والتستر التجاري والفساد وضعف الاعتماد على العمالة الوطنية في سوق العمل. لا ننسى أبدا الضبابية الكبيرة جدا، التي خلفتها بعض تصريحات الوزراء بالتزامن مع صدور القرارات السابقة حينئذ، كان من أبرزها: التصريح باحتمالات وصول الاقتصاد السعودي إلى مرحلة الإفلاس التام في منظور السنوات القليلة المقبلة، والتصريح الآخر بانخفاض الإنتاجية اليومية للموظف الحكومي لما دون الساعة. ذكرت وغيري من المتابعين حينها؛ أنه بإمعان النظر في مقدمات تلك الاستنتاجات الخاطئة من قبل بعض مسؤولي الأجهزة الحكومية، أن الخاسر الأكبر من كل تلك الضوضاء والاختلافات، هو الإنسان السعودي بالدرجة الأكبر! الإنسان هو رأس المال الأول في أي حضارة على امتداد التاريخ الطويل جدا للبشرية، تتعزز قيمته ودوره فقط من خلال نيله العلم والفكر والمعرفة فقط، التي تقتضي شروط نجاحها أن تتوافر لذلك الإنسان الاستقلالية والحرية المسؤولة والإرادة والخيارات المكفولة بالضمانات الكافية. إن أي خلل في أي جزء من تلك المنظومة المتكاملة لإيجاد "رأس المال" اللازم لولادة أي حضارة بشرية، ممثلا هنا في "الإنسان"، أؤكد أن نتائجه الوخيمة ستنعكس لاحقا على الإنسان أولا، ثم على مجتمعه ومحيطه وبيئته، وحينئذ لا مجال للخروج من هذه الورطة الحضارية قبل أن تصنف تلك الورطة أي تصنيف جزئي آخر، إلا بالعودة إلى المربع الأول للخلل ومعالجته بما يتطلبه من علاج لازم. إن بلادنا ولله الحمد والمنة، قد حباها الله بنعمة انتماء إنسانها إلى أعظم حضارات البشر، قبل ما حباها الله من نِعَم وثرواتٍ طائلة، ومن فضل الله تعالى؛ أنه قطع خلال أقل من أربعة عقود زمنية أشواطا مهمة جدا في طريق العلم وتكوين الخبرات والتجارب الرائدة، دون أن نغفل في الوقت ذاته تجارب فاشلة في أكثر من مرحلة، وفي أكثر من مجال، إلا أن المحصلة النهائية لتجربة الإنسان السعودي ذكورا وإناثا، تثبت إيجابية نتيجتها النهائية، وهي النقطة الرئيسة التي يجب الانطلاق منها في واقعنا الراهن، وفيما يتعلق باتجاهنا نحو مستقبلنا المنشود! خلاصة القول هنا، إن علينا جميعا كثيرا مما يجب عمله، بهدف تجاوز التحديات الراهنة والمستقبلية، يتجاوز كثيرا أي طرح قصير الأفق قد يصدر عن بعض مسؤولي الأجهزة الحكومية. الأمر باختصار شديد جدا بحاجة ماسة إلى عقول أكثر ثراء من حيث الخبرة والتجربة والعلم والمعرفة، تتولى إدارة مواجهة تلك التحديات الجسيمة بحكمة وحصافة أكبر بكثير من مجرد اختصارها في التوصيف المحدود الأفق الذي تم تداوله سابقا، أو قد يتم التصريح به مستقبلا، وهنا يمكن اكتشاف أين يقع الإفلاس؟ وأين يوجد رأسمالنا ومصدر ثرائنا الغائب؟ والله ولي التوفيق.
إنشرها