عقارات- عالمية

أنماط جديدة للاستثمار الخليجي في العقارات البريطانية

توقعت مجموعة من المختصين العقاريين أن تشهد السوق البريطانية تغيرا نوعيا في طبيعة أنماط الاستثمار الخليجي العقاري في المملكة المتحدة، مرجحين أن يتحول الاتجاه العام إلى الشراء من أجل التأجير، بدلا من الشراء بهدف الاستخدام الشخصي، وأن تدفع الفرص السوقية بالمستثمر الخليجي إلى توسيع النطاق الجغرافي لاستثماراته، وعدم اقتصارها على لندن.
وتشير دراسة حديثه إلى أن مدينتي مانشستر وليفربول باتتا مركزين أساسيين يتوقع أن تستهدفهما رؤوس الأموال الخليجية، خاصة مدينة مانشستر التي تتناسب مع التوجهات المتوقعة لرؤوس الأموال الخليجية إذ بلغت نسبة الاستئجار فيها نحو 64 في المائة من الوحدات السكينة.
ويتوقع المختصون أن تركز رؤوس الأموال الخليجية على شراء الفنادق بهدف الاستثمار في القطاع السياحي، بدلا من الاستثمار في وحدات سكنية فردية، وتشير التقديرات إلى أن الخليجيين استثمروا العام الماضي ما قيمته 2.72 مليار جنيه استرليني في شراء فنادق في المملكة المتحدة، وسط توقعات بأن تبلغ حصة رؤوس الأموال الخليجية هذا العام 30 في المائة، من مشتريات العقارات الكبرى التي ستعرض للبيع في المملكة المتحدة.
وفي ظل التوقعات الإيجابية لسوق العقارات البريطانية، تجاه المستثمرين من منطقة الخليج العربي، فإن مشكلة التمويل والرهن العقاري تعتبر في نظر بعض المصرفيين، مربط الفرس لتعزيز الاستثمارات العربية العقارية في المملكة المتحدة.
ويعتقد المختصون أنه من دون إحداث تحول نوعي في إدارة التمويل العقاري، ومزيد من الشراكة بين المصارف الخليجية والبريطانية في هذا الشأن، فإن التوسع الخليجي للاستثمار في مجال العقارات في بريطانيا سيظل محدودا مقارنة بإمكانياته الفعلية.
ويعتقد ميتشيل بير نائب رئيس قسم الرهن العقاري في مجموعة "هاليفاكس" أن الطرفين العربي والبريطاني يضيعان فرصا استثمارية ضخمة جراء المنطق الاستثماري السائد لديهما.
ويوضح لـ "الاقتصادية" أن على المستثمرين الخليجيين الاستفادة القصوى من الانخفاض الراهن في أسعار الفائدة في بريطانيا، التي لا تتجاوز حاليا 0.25 في المائة، وهي الأدنى منذ ثلاثة قرون، وحتى التخوفات التي لدى بعض المستثمرين الخليجين بأن ارتفاع أسعار الفائدة مستقبلا قد يؤثر في قدرتهم على السداد، ما يدفعهم إلى عدم اللجوء إلى النظام المصرفي البريطاني لتمويل احتياجاتهم من الرهن العقاري، فإنه من المستبعد أن تكون الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة البريطانية ذات تأثير كبير في هذا المجال.
ويقر أحمد مهنا المسؤول في قسم المبيعات في شركة "آر آند جي" العقارية، بتأثير أنظمة التمويل العقاري في بريطانيا في آفاق الاستثمارات العربية العقارية في المملكة المتحدة، لكنه يشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات واضحة تمهد الأرضية حاليا - خاصة مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- لاستحداث أنظمة تمويلية ملائمة للقيم والمعتقدات الإسلامية.
وأضاف لـ "الاقتصادية"، أن أنظمة التمويل الربوية للمصارف البريطانية تتناقض في الأغلب مع المنطق الاستثماري لعديد من سكان المنطقة العربية، وهذا ما يدفع بالمستثمر العربي إلى البحث عن بدائل أخرى، غالبا ما تكون تلك البدائل غير متوافرة، وإذا توافرت فإنها تكون بتكلفة مالية باهظة، بحيث تجعل الاستثمار العقاري غير مربح أو مجد للراغبين فيه من المستثمرين العرب، لكن مع تنامي التمويل الإسلامي في المملكة المتحدة، فإن عديدا من المصارف البريطانية تقيم حاليا شراكة مع مصارف خليجية، بهدف التسهيل على المستثمر الشرق أوسطي للاستثمار في بريطانيا عامة والقطاع العقاري خاصة.
ويشير مهنا إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيمثل فرصة لازدهار التمويل الإسلامي في ضوء سعي حكومة المملكة المتحدة إلى جذب مزيد من الاستثمارات الدولية، وإدراكها أن التمويل الإسلامي نما بنسبة 150 في المائة منذ عام 2006 ليصل حاليا إلى نحو 1.3 تريليون استرليني، وهو ما يعني أن انتعاش آفاق التمويل الإسلامي في بريطانيا، سيجذب عديد من الفئات الخليجية غير التقليدية للاستثمار العقاري في بريطانيا.
يذكر أن فترة الدعاية والدعاية المضادة التي سبقت الاستفتاء البريطاني إزاء الخروج من الاتحاد الأوروبي أو البقاء فيه، كانت من أهم جوانب الحشد التي لجأ إليها الطرفان لكسب مزيد من الأنصار والمؤيدين، هو الحديث عن تأثير البقاء أو الخروج من النادي الأوروبي، في سوق العقارات البريطانية وتحديدا في العاصمة لندن.
وربما كان أهم ورقة امتلكها الداعون إلى البقاء الأوروبي، تلك التي ألقى بها جورج أوزبورن وزير المالية السابق المؤيد للبقاء في التكتل في وجه خصومه، وفي مقدمتهم بوريس جونسون عمدة لندن السابق ووزير الخارجية الحالي، بأن الخروج يعني تراجع قيمة العقارات في بريطانيا، وتحديدا في لندن بنحو 18 في المائة.
لكن جاءت نتيجة الاستفتاء وحسم الناخب البريطاني أمره بالخروج من الاتحاد الأوروبي، ولم تنخفض أسعار العقارات 18 في المائة كما توقع أوزبورن، لكنها تذبذبت ولا شك ومالت إلى الانخفاض، وانتابت السوق حالة من الوهن والقلق المصحوب بغياب رؤية حاسمة وقاطعة تجاه المستقبل.
وبشكل عام فإن حالة القلق والترقب تهيمن على سلوك المستثمرين في القطاع العقاري في العاصمة البريطانية لندن، فبالنسبة إلى البعض تحيط الضبابية الآن بمستقبل أسعار العقارات في لندن، حيث تسود توقعات متناقضة حول أوضاع البيع والشراء خلال العام الجاري، بعد تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة للخروج من عضوية الاتحاد.
يأتي هذا القلق بالتزامن مع إصدار مدرسة الإدارة التابعة لجامعة لانكستر أخيرا، دراسة أكاديمية حول توقعاتها بشأن أسعار العقارات في المملكة المتحدة في العام الراهن، أشارت فيها إلى ارتفاع الأسعار بنحو 3.5 في المائة عام 2017، وهو معدل نمو أقل مما تحقق العام الماضي وبلغ 4.4 في المائة.
وإذا كان ذلك هو المتوسط العام للزيادة في المملكة المتحدة، فإن لندن وفقا لتلك الدراسة ستحقق معدل نمو أعلى من المتوسط العام للملكة المتحدة، وستبلغ زيادة أسعار الوحدات السكانية فيها نحو 3.9 في المائة.
ووسط تلك الأوضاع الصعبة لسوق العقارات في المملكة المتحدة تتجه أنظار القطاع العقاري البريطاني إلى المستثمرين الأجانب، خاصة الآسيويين وبلدان مجلس التعاون الخليجي، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القيمة الإجمالية للاستثمارات الأجنبية "دولا وأفرادا" في سوق العقارات في المملكة المتحدة تقارب حاليا 200 مليار جنيه استرليني.
ولا تنفي ليزي ريفير الاستشارية في المجال العقاري أن الوضع في سوق العقارات قد يتسم بعدم الاستقرار خلال العامين المقبلين، وهما فترة التفاوض المقررة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بشأن طبيعة الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه بين الجانبين.
وتضيف لـ "الاقتصادية"، أن "القطاع العقاري كمعظم إن لم يكن جميع مناحي الحياة الاقتصادية في المملكة المتحدة سيتأثر خلال الفترة المقبلة بمسار العملية التفاوضية"، مشيرة إلى أن أكثر جوانب القطاع العقاري تأثرا ستكون القطاعات التي يلعب فيها الأجانب دورا مهما، مثل قطاع الشراء من أجل التأجير التي تحظى فيه الاستثمارات الإماراتية بموقع مميز، أو بعض المناطق السكنية التي تتركز فيها الجالية الأوروبية، وقد تغادر أعداد كبيرة منها بريطانيا في نهاية المطاف، ولا شك أن التراجع النسبي للأسعار في تلك المناطق سيكون أعلى من المتوسط.
وتستدرك قائلة "يجب الإقرار بأن السوق العقارية شهدت تراجعا وإن كان طفيفا منذ إعلان نتيجة الاستفتاء، ففي الشهر الماضي هبط سعر المنازل بنسبة 0.3 في المائة، لكن المؤكد وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات رسمية فإن 43 في المائة من سكان العاصمة لندن، لديهم قناعة بأن أسعار العقارات ستعاود الارتفاع بمجرد التوصل إلى اتفاق مع الأوروبيين، وربما يعود السبب في ذلك إلى حالة الاستقرار التي ستتمتع بها الأسواق لاحقا".
وتشير بعض البيانات إلى أن مبيعات العقارات في لندن، تراجعت منذ إعلان نتيجة استفتاء حزيران (يونيو) بنحو 20 في المائة، لكن هذا التراجع من وجهة نظر بعض المختصين، سيشهد اتجاها عكسيا حتى خلال فترة التفاوض مع بروكسل بشأن العلاقة المستقبلية بين الجانبين.
ويرى بول سميث رئيس وحدة الرهن العقاري في مؤسسة نوتنجهام للإقراض السكني أن طلب رئيسة الوزراء تيريزا ماي تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، حسم تماما موضوع الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فخلال الفترة من ظهور نتيجة الاستفتاء حتى إرسال الطلب إلى الاتحاد الأوروبي سادت تكهنات بأن الحكومة ستسعى إلى إيجاد طريقة للالتفاف على الخيار الشعبي بمغادرة بريطانيا أوروبا.
وأضاف لـ "الاقتصادية"، أن "تلك التكهنات أثرت سلبا في سوق العقارات، فقد أدت إلى تراجع معدلات الشراء، والآن بعد أن بدا واضحا للجميع أن لندن ستغادر النادي الأوروبي، فإن رؤوس الأموال الأجنبية بدأت في التدفق، حيث تعتزم قطر استثمار خمسة مليارات دولار، فيما من المتوقع أن تشهد الأسواق مزيدا من الاستثمارات الإماراتية والكويتية والسعودية خلال الفترة المقبلة".
وتبدو وجهة النظر تلك مقبولة من قبل عدد آخر من المختصين الذين يعتقدون أن رؤوس الأموال الخليجية تحديدا من قطر والإمارات ستلعب دورا مهما ومحوريا في القطاع العقاري البريطاني خلال السنوات المقبلة، يدفعها في ذلك تراجع سعر الاسترليني في مواجهة الدولار، ما يعزز القدرة الشرائية للخليجيين، ويضاف إلى ذلك التراجع النسبي في الأسعار مقارنة بفترات سابقة.
ويشير راسل كويرك، الاستشاري الهندسي، إلى أن مجموعة من كبريات شركات العقار البريطانية، تعكف حاليا على التخطيط للقيام بحملة تسويقية ضخمة في منطقة الخليج انطلاقا من دبي، على أمل عقد صفقات عقارية وجذب رؤوس أموال عربية لشراء وحدات سكنية في لندن، لكنه يشير إلى ضرورة أن يمتلك المستثمر الخليجي نظرة واقعية فيما يتعلق بالاستثمار العقاري في بريطانيا.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، أن المستثمر الخليجي بات يمتلك رؤية تفصيلية أكبر عن السوق العقارية البريطانية مقارنة بالماضي، ولا تزال رؤوس الأموال الخليجية ونظرا لقوتها خاصة في ظل تراجع الاسترليني، تعد أكثر رؤوس الأموال الأجنبية قدرة على شراء وحدات سكانية أو مكتبية في وسط العاصمة البريطانية لندن، وربما تزداد تلك الظاهرة في الفترة المقبلة، خاصة أن التوتر الراهن في العلاقات بين روسيا وبريطانيا لا يشجع كثيرا المستثمر الروسي على الاستثمار في المملكة المتحدة، بينما أدى تراجع معدلات النمو في الصين إلى إضعاف قدرة الرأسماليين الصينيين على الشراء في لندن، بل إن بعضهم قام أخيرا ببيع وحداته العقارية في المملكة المتحدة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من عقارات- عالمية