هل ستقود روسيا العالم كقوة اقتصادية؟

د. يحيى مفرح الزهراني
هل لدى روسيا القوة والقدرة التي تجعلها مؤهلة لقيادة العالم؟ وهل لديها القيم العظمى التي تجعل منها دولة ذات بعد وتأثير عالميين؟ وهل ستسمح الكيانات الأوروبية من دول أو مثل حلف الناتو بالصعود الروسي وفرض الهيمنة الروسية في العالم، ولا سيما في عصر بدأ فيه التقهقر الأمريكي؟ تقدر مساحة روسيا بأكثر من 17 مليون كيلو متر مربع، ويتجاوز عدد سكانها 142 مليون نسمة حسب تعداد عام 2011، وتعتبر روسيا سابع أكبر اقتصاد في العالم حسب الناتج المحلي الإجمالي، والسادسة من حيث القدرة الشرائية، والثالثة من حيث الميزانية العسكرية. إن روسيا واحدة من الدول الخمس الوحيدة المعترف بامتلاكها أسلحة نووية في العالم، إضافة إلى أنها تملك أكبر مخزون من أسلحة الدمار الشامل في العالم. اقتصاديا، عرفت روسيا منذ نهاية النظام الاشتراكي فترة انتقال من الاقتصاد المركزي والمخطط إلى اقتصاد حر. الاقتصاد الروسي يعتبر متقدما حاليا مقارنة بأوائل التسعينيات. كما تعتبر روسيا من الأسواق التي تشهد نموا مطردا في الفترة الحالية، إذ إنها تحقق أرباحا نتيجة لارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، صناعيا تقوم روسيا بإنتاج الآلات الثقيلة والمعدات الكهربائية. ومن أهم منتجات الصناعة الكيماوية الألياف الكيماوية والأسمدة المعدنية ومنتجات البتروكيماويات والراتينج الصناعي. عسكريا عام 2008، تم تحديد عدد أفراد القوات المسلحة الروسية بنحو 2,019,629 فردا. وقد قامت روسيا أخيرا بالتدخل العسكري في كل من شبه جزيرة القرم، وسورية، وزيادة وجودها في البحر المتوسط، وكذلك بحر البلطيق، وهذا يعطي روسيا وجودا عسكريا واستراتيجيا مهما في مناطق نفوذ ذات تأثير عالمي. والسؤال الذي نحاول طرحه هنا: هل يكون التحرك العسكري في مختلف الأماكن في العالم من قبل روسيا ذا أهداف اقتصادية بطبيعة الحال؟ يشير الباحث سامر إلياس إلى أن بلدا لا يستأثر بأكثر من 3 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي لا يمكن أن ينافس على دور الصدارة في العالم، كما أن الانطلاق من مبدأ أن الأسطول والجيش هما صديقا روسيا الوحيدان، ليس صحيحا في معايير عالمنا المعاصر، فأسباب انهيار الدول تكمن في طبيعة بنيانها، وصمودها رهن بأوضاعها الصلبة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا بقدرة طائراتها على إفراغ حمولتها من الصواريخ والقذائف، ولا بقدرتها على إطلاق صواريخ عابرة للقارات. ويرى حسن شاهين أنه منذ عودة بوتين إلى الكرملين عام 2012، أخذت روسيا بقوة تنتهج سلوكا تدخليا في إقليمها القريب وخارجه، لم تمارسه من قبل، إلا في حالة جورجيا، ما دفع كتابا وسياسيين كثيرين إلى الحديث عن طموح إمبريالي عالمي لروسيا، خصوصا أنه جاء مع ما يمكن وصفها بحالة سيولة في النظام الدولي، في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية العالمية، وأزمة وجود تعصف بالاتحاد الأوروبي، واستمرار التحفظ الذي تنتهجه الصين في سياستها الدولية، إلا أن القراءة في أوضاع روسيا الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية لا تدعم مثل هذا الاستنتاج. يشير الرئيس الأمريكي آيزنهاور إلى أنه ستكون في منطقتنا في الخليج والشرق الأوسط حرب كل خمس أو سبع سنوات وبشكل دوري، وهذا يجعلنا نتساءل عن طبيعة الدور الروسي ومدى انعكاس تدخلاتها كذلك في سورية وقتلها المدنيين، وكيف أنها تسهم في الاضطرابات التي تصيب المنطقة، وستتأثر روسيا نفسها لا محالة بتلك الاضطرابات، فبحسب نظرية الفراشة فإن الأحداث التي تصيب مكانا ما، ستكون لها آثار متتابعة وتدميرية في مكان آخر، وبالتالي، عملية قتل المدنيين في سورية، ستولد أشخاصا من كل أنحاء العالم يسعون للانتقام مما تقوم به روسيا دون وجه حق ضد المدنيين العزل. بالتأكيد أن قيادة العالم، تحتاج إلى قيم حقيقية، لا تظهر في الدب الروسي بشكل كبير، وإنما ما يظهر هو شراهة للقوة والنفوذ والهيمنة بالمعنى السلبي، وليس بمعنى القوة الناعمة أي التأثير في الدول الأخرى إيجابيا لاتباع نظام تلك الدول. وهذا يجعلنا نطرح سؤالا : ما الذي تملكه روسيا لتقدمه للعالم فكريا ومعرفيا وحضاريا؟ هل هي قادرة على إعادة إنتاج الاشتراكية والماركسية بشكل جديد، أو طرح نظام مالي عالمي جديد يساعد الدول؟ قد ينمو مقدار القوة الروسية مستقبلا مع التغيرات الدولية، وعدم الاستقرار الدولي، إلا أنه بالتأكيد سيكون عليها يوما ما أن تواجه الصين.
إنشرها