مالت أسعار النفط الخام إلى الانخفاض في الأسواق الدولية في إطار تذبذبات سعرية وتقلبات تسيطر على السوق نتيجة نجاح وتسارع تطبيق اتفاق خفض الإنتاج بين منظمة أوبك والمستقلين في مقابل نشاط واسع حدث للإنتاج الأمريكي وزيادة في الحفارات للاستفادة من انتعاش مستوى الأسعار.
ونوه محللون في السوق إلى أن ارتفاع مستوى الأسعار بشكل كبير ليس في خطة أوبك والمستقلين؛ لأن الارتفاع المستهدف محسوب بحيث لا يؤدي إلى طفرة واسعة وأكبر من المتوقع أن تحدث في مستويات الإنتاج الأمريكي وهو ما قد يقوض جهود الدول المشاركة في اتفاقية خفض الإنتاج وبالتالي يذهب البعض إلى احتمال عدم تمديد الاتفاقية عند مراجعتها في أيار (مايو) المقبل من قبل الاجتماع الوزاري لـ"أوبك" نتيجة حالة الحذر من المتغيرات السلبية في السوق.
وفي سياق متصل، أكد محمد باركيندو الأمين العام لمنظمة أوبك أن ما تحقق من تعاون بين منتجي أوبك والمنتجين المستقلين مجرد بداية وستشهد الفترة القادمة مزيدا من التطور في هذا الأمر، حيث إن التعاون بين الجانبين ليس حيويا فقط على المدى القصير، ولكن سيكون أيضا على المدى الطويل، منوها إلى أن صناعة النفط الخام في مرحلة هي أحوج إلى تأسيس استثمارات جديدة وكبيرة في مجال التنقيب عن النفط الخام.
وقال باركيندو – في تقرير حديث لمنظمة أوبك –إنه من الضروري بشكل عاجل العمل على تعويض معدلات الانخفاض المستمرة في الحقول القائمة إلى جانب زيادة قدرات مشروعات المصب ومنها المصافي والصناعات المرتبطة بالنفط الخام خاصة البتروكيماويات والاتجاه بقوة للتوسع في سياسات التوظيف والتدريب من أجل النهوض بالعنصر البشري الذي سيتولى قيادة هذه الصناعة إلى الأمام في السنوات المقبلة.
وأضاف أن التأثير السلبي على الاستثمارات كان واضحا بشكل أكبر في عامي 2015 و2016، متوقعا زيادة الإنفاق العالمي على التنقيب والإنتاج من قبل منتجي النفط والغاز في الفترة القادمة إلا أنه من المتوقع أن تستمر مصاعب الاستثمارات هذا العام أيضا.
وقال باركيندو إن تعافي السوق في ضوء الالتزام الواسع والناجح باتفاق خفض الإنتاج سيكون له آثار إيجابية واسعة على مستقبل الصناعة ونتوقع مزيدا من المشاريع الجديدة القادمة التي سيبدأ تشغيلها إلى جانب حدوث طفرة في مستوى الاكتشافات الجديدة.
وأوضح أن الالتزام المستمر من الدول الأعضاء في "أوبك" وخارجها في زيادة الاستثمار في القدرات الإنتاجية الجديدة سيكون بمثابة ضمانة للوفاء بالمتطلبات المستقبلية للمستهلكين في الوقت المناسب وبطريقة مستدامة.
من جانبه، قال سبنسر دال كبير الاقتصاديين في مجموعة "بريتيش بتروليوم" – بي بي – لـ"الاقتصادية" إن المحن عادة ما يخرج منها فوائد إيجابية والأزمة التي تعرضت لها صناعة النفط الخام على مدار السنوات الثلاث الماضية كانت لها بعض الأوجه المضيئة أهمها إعادة هيكلة الصناعة والتركيز على رفع الكفاءة والاستفادة من طفرة الموارد الإنتاجية.
وأضاف أنه مع مضي أسعار النفط الخام نحو الارتفاع ستكون مهمة منتجي النفط الخام أسهل خاصة بعدما نجحوا في السنوات الماضية في الوصول إلى تكاليف أقل والتحرر من كثير من الأعباء الإنتاجية وبالتالي سيربحون أكثر مع نمو الأسعار ومن ثم يمكن أن يستثمروا بشكل أفضل.
وقال إنه من الصعب بناء غد أفضل لصناعة النفط الخام بدون أن تكون لدينا أدوات قوية اليوم، منوها إلى أن مفتاح التقدم لهذه الصناعة سيظل هو التكنولوجيا والتقنيات المتطورة، مشيرا إلى أن "بي بي" نجحت في زيادة كفاءة رأس المال بنحو 53 في المائة نتيجة التقنيات الحديثة كما خفضت تكاليف الإنتاج بنحو 28 في المائة.
من ناحيته، قال ماركوس كروج كبير محللي شركة "أيه كنترول" لأبحاث النفط والغاز لـ"الاقتصادية" إن جميع المنتجين يركزون الآن على نمو الأسعار بشكل جيد وتباينت التقديرات بشأن وصول سعر البرميل ما بين 60 إلى 70 دولارا بنهاية العام الجاري، منوها إلى أن "أوبك" التي تقود حاليا مرحلة إصلاح التوازن في السوق أكدت مرارا أنها لا تستهدف مستوى سعريا معينا وإنما تعمل على مواجهة الخلل في المخزونات والمعروض بما يقود إلى تعافي السوق في أقرب مدى ممكن.
وأعرب عن اعتقاده بأن "أوبك" والمستقلين يدرسون بعناية وبشكل شهري تطورات السوق خاصة وضعيات الإنتاج في الدول المصدرة وذلك بسبب التخوفات من مدى التقدم الذي يمكن أن يحققه النفط الأمريكي على حساب إنتاج أوبك والمستقلين وبما يؤثر في حصصهم السوقية، مشيرا إلى توقعه بوجود اتفاق على أن يكون تعافي الأسعار ليس واسعا حتى لا يستفاد منه المنافس الأمريكي بشكل أكبر وهو ما سيجعل فرص تمديد اتفاقية خفض الإنتاج محدودة.
من جانبه، قال لويس ديل باريو المحلل بمجموعة بوسطن المالية في إسبانيا لـ" الاقتصادية": إن استراتيجية عمل أوبك تتسم بالذكاء والنظر إلى مستقبل الصناعة واستقرار السوق، مشيرا إلى أن أوبك تتمسك بخفض الإنتاج بمعدلات مرضية رغم المكاسب التي حصدها النفط الصخري الأمريكي من جراء ذلك ولكنها تدرك أن ذلك أفضل للسوق على المدى الطويل.
وأضاف أن "أوبك" في الوقت نفسه تشجع الدول الثلاث المعفاة من اتفاقية خفض الإنتاج وهي إيران وليبيا ونيجيريا على زيادة الإنتاج من خلال تطوير الحقول واستعادة السيطرة عليها وجذب الاستثمارات لها وذلك لأنها تدرك أن السوق سيحتاج كل كمية نفط في المستقبل بسبب الطفرة المتوقعة في الطلب وأن كل المؤشرات تشير إلى أن الحصة السوقية لأوبك ستنمو في السنوات المقبلة وستقترب من 37 في المائة.
من ناحية أخرى وفيما يخص الأسعار، انخفضت أسعار النفط العالمية أمس لكنها ظلت تتحرك في نطاق ضيق مع زيادة إنتاج الخام في الولايات المتحدة الذي محا أثر تخفيضات الإنتاج التي تقودها منظمة أوبك.
وفاجأت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) السوق بمستوى التزامها القياسي بتخفيضات إنتاج النفط حتى الآن وقد يزيد الالتزام في الأشهر المقبلة مع تعهد الإمارات والعراق -وهما الأقل التزاما- بالوصول سريعا إلى المستويات المستهدفة لإنتاجهما.
لكن بينما دفع اتفاق خفض الإنتاج المبرم في الثلاثين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أسعار النفط إلى الارتفاع بمقدار عشرة دولارات للبرميل تحركت أسعار النفط في نطاق ضيق بلغ ثلاثة دولارات في الأسابيع الأخيرة.
وتذبذب خام القياس العالمي مزيج برنت وخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي أمس بين الصعود والهبوط بفارق بضعة سنتات عن سعر الإغلاق السابق.
وبحلول الساعة 1130 بتوقيت جرينتش انخفض خام برنت 16 سنتا إلى 55.77 دولار للبرميل بينما تراجع الخام الأمريكي تسعة سنتات إلى 53.96 دولار للبرميل.
واتفقت أوبك على خفض الإنتاج بنحو 1.2 مليون برميل يوميا اعتبارا من الأول من كانون الثاني (يناير) الماضي في أول اتفاق منذ ثماني سنوات على خفض الإنتاج.
وإضافة إلى تعهد 11 من منتجي النفط غير الأعضاء في أوبك بخفض إنتاجهم ذكرت وكالة "انترفاكس" نقلا عن مصدر مطلع أن روسيا قلصت إنتاجها من النفط بنحو 124 ألف برميل يوميا هذا الشهر مقارنة بمستويات تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
وبوجه عام يتوقع محللون واقتصاديون أن يصل متوسط سعر خام برنت في 2017 إلى 57.52 دولار للبرميل وفقا لاستطلاع أجرته "رويترز" نشرت نتائجه أمس.
وزاد منتجو الخام الأمريكي الإنتاج إلى ما يزيد على تسعة ملايين برميل يوميا خلال الأسبوع المنتهي في 17 شباط (فبراير) الماضي للمرة الأولى منذ نيسان (أبريل) 2016 وفقا لبيانات اتحادية. وقالت شركة بيكر هيوز لخدمات الطاقة يوم الجمعة: إن عدد منصات الحفر التي تشغلها الشركات الأمريكية بلغ 602 منصة حفر في الأسبوع الماضي وهو أكبر عدد منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2015.
وتراجعت أسعار النفط بالسوق الأوروبية أمس في طريقها صوب تسجيل ثاني خسارة خلال ثلاثة أيام، تحت ضغط تصاعد مخاوف تخمة المعروض الأمريكي، في ظل توقعات تسارع إنتاج النفط الصخري وارتفاع مخزونات الخام لمستويات قياسية جديدة.
وتراجع الخام الأمريكي إلى مستوى 53.90 دولار للبرميل من مستوى الافتتاح 54 دولارا وسجل أعلى مستوى 54.21 دولار، وأدنى مستوى 53.85 دولار.
ونزل خام برنت إلى مستوى 56.25 دولار للبرميل من مستوى الافتتاح 56.48 دولار وسجل أعلى مستوى 56.62 دولار، وأدنى مستوى 56.20 دولار.
وأنهى النفط الخام الأمريكي "تسليم أبريل" تعاملات الإثنين مرتفعا بنسبة 0.2 في المائة، وصعدت عقود برنت "عقود مايو" بنسبة 0.3 في المائة، بدعم آمال تحقيق التوازن سريعا بالأسواق مع التزام قياسي لكبار المنتجين بتطبيق اتفاق خفض الإنتاج العالمي.
وفى الولايات المتحدة ارتفعت الأسبوع الماضي منصات الحفر إلى 602 منصة، وهو أعلى مستوى للمنصات منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2015، الأمر الذي عزز من توقعات تسارع إنتاج النفط الصخري الأمريكي خلال شهر آذار (مارس) المقبل.
وتشير التوقعات عن مخزونات الخام في الولايات المتحدة التي يصدرها معهد البترول الأمريكي إلى ارتفاع المخزونات لمستوى قياسي جديد وتصدر اليوم البيانات الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
من جانب آخر، ارتفعت سلة خام أوبك وسجل سعرها 53.85 دولار للبرميل أمس الأول مقابل 53.61 دولار للبرميل في اليوم السابق.
وقال التقرير اليومي لمنظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" أمس إن سعر السلة التي تضم متوسطات أسعار 13 خاما من إنتاج الدول الأعضاء بالمنظمة حقق ارتفاعا طفيفا في إطار فترة من التقلبات المستمرة المحدودة في الأسعار وأن السلة كسبت أقل من نصف دولار مقارنة باليوم نفسه من الأسبوع الماضي الذي سجلت فيه 53.49 دولار للبرميل.

