كأنما هي الأحداث تختار قادتها على مدى التاريخ، فما إن تتعاظم الأحداث، وتختل الموازين، ويُهدّد السلم والسلام، وتصبح الأمور معقدة جدا حتى يظهر من يقيم الأمر من جديد ويصلح الشأن، ولقد تجدد ذلك على مدى تاريخ الأمة الإسلامية. والتاريخ يشهد بالقادة العظماء الذين حمى الله بهم الدين والشريعة، وعاش الناس في عهدهم في أمن وأمان، ويسجل التاريخ ظهور الملك عبد العزيز وقيادته ملحمة كبرى وحَّدت هذه البلاد المباركة. ولأن الأحداث والناس تتبدل وتتغير حتى جاء هذا الزمان وتكالبت الأعداء علينا ومن حولنا أزمات وثورات جعلت الحليم حيران، وأصبح الأمن مهددا والاقتصاد معقدا والأمور مقلقة، فكان الموقف بحاجة إلى قائد جديد ملهم، فبايعت الأمة الملك سلمان بيعة على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وكان سلمان الحزم منذ اللحظة الأولى لتسلمه مقاليد الحكم، فالوضع السياسي في اليمن وتقلب الأمور وضياع الشرعية هناك يهدد أمن المملكة بلا جدل، فكانت قيادة الملك سلمان لدول الخليج العربي والتحالف العربي حدا فاصلا بين العبث والتخاذل وبين وحدة الأمة وتماسك الرأي وبين التدخلات الخارجية باسم الطائفية والتعصب المقيت، كون حلفا عربيا أعاد الأمل للأمة في وحدة صف أمام تخلخل البنى الداخلية للدول، وحدة صف تضمن السلم والسلام والتعايش بأمان كما وصفت الآية الكريمة في دفع الشر حتى تسلم دور العبادة لأهلها، بتنوعها وتنوعهم، وهي شريعة الله التي أنزل على محمد وأنه لا إكراه في الدين، وعليه فلا أكره في مذهب ولا تعصب لمنهج. ولقد أثمرت جهود الملك سلمان وقيادته للأحداث حتى غدا مجلس التعاون الخليجي قطبا عالميا عسكريا وسياسيا، وبناء على هذا المنهج القويم سعى الملك سلمان إلى إنشاء أول تحالف إسلامي حقيقي له واقعه الملموس على أرض السياسة والتكتلات السياسية، ومع دعوته - حفظه الله - لهذا الحلف وأهميته، رضي الجميع به قائدا لأول مناورات عسكرية ضخمة لهذا الحلف الجديد.
جاءت بيعة الملك سلمان في وقت التناقضات السياسية الكبرى، وفي وقت يعاني العالم تدخلات إيران في الشأن العربي، وإرباكها العمل العالمي المنظم لحل الأزمة، تأتي السياسة الأمريكية رافضة لهذا التدخل ولكن تفاوض الجانب الإيراني بطريقة لا تتناسب مع حدة الأزمة السورية وخطورة تدخل إيران فيها، ومع تورط روسيا التي أتت بتحولات سياسية أكثر خطورة، ورفض الاتحاد الأوروبي لهذا التدخل في وقت لم يقدم فيه الاتحاد الأوروبي ما يشفع لحل الأزمة بالسرعة المطلوبة، كل هذا كان يتطلب من المملكة مواقف حازمة واضحة لا تتماهى مع خطورة الوضع وأيضا لا تتنازل عن ثوابتها العظيمة التي نشأت من أجلها، ولعمق توازن القوى المتصارعة على أرض عربية عزيزة علينا والشعب الشقيق يكابد مرارة التهجير وخيارات مريرة. وإذا تلمسنا قوله تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض" سنفهم السياسة الحكيمة التي انتهجها الملك سلمان في تعامله مع الأزمة السورية، فالشعب السوري الشقيق عاني ويعاني تدخل إيران ومن حالفها في شأنه بطريقة فجة وقوات عسكرية صريحة في الأرض السورية لفرض أجندة معدة مسبقا لم يقبلها الشعب السوري، ودفع هذه الفوضى التي عمت سورية لن ينجح إلا بخيارات الشعب السوري الحقيقية التي يفرضها بنفسه مهما كانت مرارة التضحية وعمق المأساة، فلن ينتهي تدخل إيران ومن حالفها إلا بتعميق الهوة الطائفية بين أفراد الشعب السوري وإعادة الجميع إلى المربع الأول في انتظار مأساة جديدة، فلم يكن من حل إلا دعم الشعب السوري بكل الوسائل السياسية والعسكرية والمالية. ولعل آخر تلك الدعوات الصريحة للملك سلمان دعوته إلى إغاثة الشعب السوري وبدأ بنفسه إذ تبرع لهم بـ20 مليونا. لم تكن الظروف والأحداث السياسية العالمية هي التي اختارت الملك سلمان، بل حتى الظروف الاقتصادية المحلية والشأن العام في المملكة كان في حاجة إلى ملك بحزم سلمان، فلم تكن الأوضاع في المملكة لتستقر اقتصاديا لولا أن قيض الله لهذه الأمة ملكا حازما ذا خبرة وحنكة وتجربة تنموية كبيرة كالملك سلمان، فالتراجع السريع لأسعار البترول مع تفاقم المصروفات المحلية، وأيضا تعثر عديد من المشاريع لصعوبة إدارة كل هذا الكم من المشاريع ذات العوائد الاقتصادية المتفاوتة، ومع التناقص الحاد في الحصول على النقد الأجنبي لتراجع أسعار النفط مع الطلب الكبير على السلع، كل ذلك جعل الوضع المالي يصل حدا يحتاج إلى قرار حازم، فجاءت بيعة الملك سلمان حازمة لكل هذا التحول الخطير في ميزان المدفوعات.
وما إن استقرت الأمور حتى بدأ الملك سلمان في إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، فوضع "رؤية المملكة 2030"، وخطط التحول السريع 2020، مع برامج اجتماعية واقتصادية عميقة، ولأن الملك يدرك بحكمته وعميق تجربته التنموية وهو الذي شهد التحولات الاقتصادية في المملكة وموجاتها المتتابعة، فقد رسم للرؤية والتحول الاقتصادي طريقا آمنة، فلا قفزات صعبة مربكة ولا انعطافات حادة قد تؤثر في أصحاب الدخل المحدود وهم الهدف من التنمية والتحول، فدور القطاع الخاص مهم، والأمل معقود على شباب الأمة في إحداث نقلة موضوعية في ميزان المدفوعات لتطوير صناعة حقيقية في المملكة تمكن من تجنيب الاقتصاد ويلات التغيرات الحادة في أسعار النفط، وهذا لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يحتاج إلى تطوير في التعليم وتغيرات أساسية في بنية الحكومة السعودية.
ومع كل هذه الجهود الجبارة في فترة وجيزة، فإن من يرى حجم الإنجاز يدرك أن البيعة المباركة للملك سلمان قد أتت في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد والعباد إلى قائد بمثل همة وحكمة وخبرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان. ولعل من أبرز ما قام به الملك تمكين الشباب من المشاركة في القيادة، فكان تعيين الأمير محمد بن نايف وليا للعهد والأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد، قد مكن من إدارة الأزمات بروح شابة طموحة، وبعث برسالة واضحة للعالم على استقرار الأمر والحكم في المملكة، وتوحد الشعب والقيادة نحو بناء هذه البلاد، والحفاظ على أمنها واستقرارها وأنها أرض الله التي اصطفاها للحرمين الشريفين، أرض حرم فيها القتل والفتنة، لا طائفية فيها، ولا شعارات سياسية، فكانت قرارات الملك سلمان بتنظيم الحج بحزم فلا ترفع راية غير راية "لبيك اللهم لبيك".
