زيارة الملك لـ «الشرقية» .. الأهم فيما لا نراه

|
"إن سبب قوة الملكية واستدامتها بشكل قوي وراسخ أنها تتسم بالوضوح كحكومة. وكل الجموع البشرية تفهمها بتلقائيتها، وصعب أن تفهم شعوب العالم نظاما غيرها". لحظة! لست أنا من قال هذا الكلام أعلاه. بل قاله "والتر بيجهوت" وهو كاتب صحافي إنجليزي، وفنان، ورجل أعمال، ومحسن خير، من أعلام المجتمع البريطاني المثقف في القرن الـ 19. ولاحظوا شيئا آخر.. قد يخطر عند البعض التفكير في أن هذا الرجل قديم من أوائل القرن الـ 19، وأن الملكية هي السائدة والرائجة. لا.. على العكس تماما، منذ نهاية القرن الـ 18 وأوروبا تغلي ضد الحكم الفردي بأنواعه، وتثور ضد الإقطاع والملكية واللاهوت الكنسي. فإن أم الثورات التي غيرت وجه الدنيا السياسي هي في هذه الفترة بالذات، وفي هذه الفترة خرج أكبر فلاسفة الثورات ودور الشعوب في الحكم ولكم أن تعودوا لمصنفات جان جاك روسو وفولتير التي قادت أفكارهما للثورة الفرنسية ضد الملكية، وانقلب كامل أوروبا والولايات المتحدة ضد الملكية بكل صورها.. إذن لا يمكن أن نقول إن ما قاله "بيجهوت" لا ينطبق على الحالة الحكومية السياسية في عصرنا الحاضر. كما أريدكم أن تعلموا أن "بيجهوت" لم يكن ممن كانوا يسمون في فترة حكم الملكة فكتوريا بالملكيين، أي المفكرين وأصحاب الرأي والمؤثرين الذين ينافحون عن الملكية. "بيجهوت" كان معارضا قبل وصول فكتوريا للحكم، وكان يعترض على الأسلوب الأرستقراطي الطبقي البريطاني.. لكنه يرى أن الغريزة السياسية عند كل الناس هي فهم الملكية وعدم فهم غيرها. من القديم تقديم الناس شخصا بعينه تتوجه إليه الأمور في الحرب والسلام والحكمة، وتمد له واجبات الاحترام والطاعة. ويتضح جليا حتى في الشرق الأقصى، فالصين ومنشوريا ـــ كوريا والمناطق التي حولها- لم تعرف إلا الملكية. وصف الملك في اليابان (الإمبراطور) في مصاف تقارب تخوم الآلهة، وليس في العصر الغابر بل في العصر الحاضر، فهيرهيتو الإمبراطور الراحل كان يسمى بابن الشمس، والشمس في الديانة الشنتوية مقدسة، لذا كانت فجيعة اليابانيين لا توصف ليس بالقنبلتين الهائلتين اللتين دمرتا نجازاكي وهيروشيما، كانت فجيعتهم الكبرى لما وضع الجنرال "ماك آرثر" الأمريكي المنتصر في الحرب العالمية الثانية قدميه فوق طاولة تماما قرب أنف الإمبراطور الأشم.. ولم يرحم كما تقول العرب عزيز قوم ذل! في زيارة خادم الحرمين الشريفين للمنطقة الشرقية الكل يتحدث من ناحية ظاهرة في الاقتصاد وفتح المشاريع، ولكني كما قلت في أكثر من مكان وفي مقابلة أمس في التلفزيون السعودي، إننا يجب أن ننتبه إلى أن ما لا نرى أهم مما نراه، فالهواء لا نراه وهو أهم عنصر في وجود الحياة. الأب يعطي أولاده، ويدرسهم، ويسهر على نموهم الصحيح. ولكن هذه كلها منظورة. الشيء القوي الذي لا نراه هو غريزة الأبوة بالحب والحنان. فقولوا لي: من يرى الحب؟ من يرى الحنان؟ إذن بما أحسبه أكيدا أن خادم الحرمين الشريفين ليس السبب الأول في زيارته للمنطقة الشرقية فتح المشاريع، ولا ليستعرض بها. فهل يستعرض الأب بتدريسه لابنه مثلا؟ على العكس يريد دوما أن يقدم لابنه أكثر ويريه دوره الأبوي بلا منة، وكذلك الملك، فالمشاريع موجودة، وستأتي بإذن الله مشاريع أكثر، وتدشين المشاريع يمكن أن يتم من بعد لو أراد. الحقيقة هي فيما لا نراه في زيارة الملك وهي الأهم، من دافع حب الملك لأبنائه في الشرقية والتربيت على أكتافهم بأنه رغم صعوبة المرحلة التي لم تمر المملكة بمثلها من قبل، إلا أنه موجود لهم يحبهم، يحدب عليهم، يطمئنهم بأنه معهم في الخير وفي الظروف الصعبة، ويحبهم كبقية أبنائه في مناطق البلاد. لذا آثار زيارة الملك التي لا نراها، هي التي "سنراها" بعد زيارته في التغير النفسي العام، وفي الراحة والسكينة والاطمئنان ومزيد من الانتماء.. مزيد من الحب والشكر.
إنشرها